الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2641 2642 2643 2644 2645 2646 [ ص: 120 ] ص: وقد روي عن الفضل بن عباس عن النبي - عليه السلام - ما يدل على أن الحمار أيضا لا يقطع الصلاة :

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن محمد بن عمر ، عن عباس بن عبيد الله بن عباس ، عن الفضل بن عباس - رضي الله عنهم - قال : " زارنا رسول الله - عليه السلام -في بادية لنا ، ولنا كليبة وحمارة ترعى فصلى العصر وهما بين يديه فلم تزجرا ولم تؤخرا .

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا معاذ بن فضالة ، قال : ثنا يحيى بن أيوب ، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب . . . فذكر بإسناده نحوه .

                                                حدثنا محمد بن حميد ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، عن يحيى بن أيوب . (ح).

                                                وحدثنا محمد ، قال : ثنا ابن أبي مريم ، قال : أنا يحيى بن أيوب ، قال عبد الله بن صالح في حديثه : عن محمد بن عمر ، وقال ابن أبي مريم في حديثه : قال : حدثني محمد بن عمر . ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : " زار رسول الله - عليه السلام - عباسا - رضي الله عنه - " .

                                                فقد وافق هذا الحديث حديث صهيب 5 وعبيد الله ، عن ابن عباس الذي قدمنا ذكرهما في الفصل الذي قبل هذا .

                                                ثم رجعنا إلى حكم مرور الكلب بين يدي المصلي كيف هو ، وهل يقطع الصلاة أم لا ؟ فكان أحد من روينا عنه عن النبي - عليه السلام - أنه يقطع الصلاة ابن عباس ، قد روينا ذلك عنه في أول هذا الباب ، ثم قد روي في حديث الفضل الذي ذكرنا ما قد خالفه ، ثم روينا عن ابن عباس بعد من قوله بعد رسول الله - عليه السلام - في حديث عكرمة عنه أن الكلب لا يقطع الصلاة ; فدل ذلك على ثبوت نسخ ذلك عنده ، وعلى أن ما رواه الفضل عن النبي - عليه السلام - من ذلك كان متأخرا لما رواه ابن عباس عن النبي - عليه السلام - .

                                                [ ص: 121 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 121 ] ش: أخرج ما روي عن الفضل بن عباس من أربع طرق صحاح :

                                                الأول : عن إبراهيم بن مرزوق ، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري ، عن عبد الملك بن جريج ، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، وثقه ابن حبان ، وروى له أبو داود والنسائي .

                                                عن عباس بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم ، وثقه ابن حبان .

                                                عن الفضل بن عباس بن عبد المطلب - رضي الله عنهما - .

                                                وأخرجه النسائي : أنا عبد الرحمن بن خالد ، قال : ثنا حجاج ، قال : قال ابن جريج : قال : أخبرني محمد بن عمر بن علي ، عن عباس بن عبيد الله بن عباس ، عن الفضل بن عباس قال : "زار رسول الله - عليه السلام - عباسا في بادية لنا ، ولنا كليبة وحمارة ترعى ، فصلى النبي - عليه السلام - العصر . . . " إلى آخره نحوه .

                                                الثاني : عن إبراهيم بن مرزوق أيضا ، عن معاذ بن فضالة الزهراني شيخ البخاري ، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري ، عن محمد بن عمر . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه أبو داود : ثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث ، قال : حدثني أبي ، عن جدي ، عن يحيى بن أيوب ، عن محمد بن عمر بن علي ، عن عباس بن عبيد الله بن العباس ، عن الفضل بن عباس قال : "أتانا رسول الله - عليه السلام - ونحن في بادية ومعه عباس ، فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة ، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه ، فما بالى ذلك " .

                                                الثالث : عن محمد بن حميد بن هشام الرعيني ، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري ، عن الليث ، عن يحيى بن أيوب الغافقي ، عن محمد بن عمر ، عن عباس بن عبيد الله بن عباس ، عن الفضل بن عباس . [ ص: 122 ] وأخرجه أحمد في "مسنده " نحوه .

                                                الرابع : عن محمد بن حميد أيضا ، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري ، عن يحيى بن أيوب . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه الطبراني في الكبير : ثنا يحيى بن أيوب العلاف ، ثنا سعيد بن أبي مريم ، أنا يحيى بن أيوب ، حدثني محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، أن عباس بن عبيد الله بن عباس حدثه ، عن الفضل بن عباس قال : "أتى رسول الله - عليه السلام - عباسا في بادية لنا ، فصلى العصر وبين يديه كليبة لنا أو حمارة لنا فما ينهاها ولا يؤخرها " .

                                                وقد طعن ابن حزم في هذا الحديث : أن العباس بن عبيد الله بن العباس لم يدرك عمه الفضل .

                                                قلت : ذكر جماعة من الثقات أنه روى عن عمه الفضل بن عباس فيدل هذا على أنه أدركه .

                                                قوله : "كليبة " تصغير كلبة .

                                                قوله : "فلم تزجرا " على صيغة المجهول أي الكليبة والحمارة وكذا قوله : "ولم تؤخرا " على صيغة المجهول .

                                                قوله : "تعبثان " أي تلعبان ، من العبث وهو الإفساد ، وفي بعض نسخ أبي داود "تعيثان " من عاث الذئب في الغنم تعوث عيثا : إذا أفسد ، ويجوز أن تكون عثي يعثى عيثا إذا أفسد ، من باب علم يعلم ، ويقال : عثا يعثو من باب نصر ينصر ، وتكون التثنية تعثيان بتقديم الثاء المثلثة .

                                                ومما يستفاد من هذا الحديث : أنه إذا صلى في الصحراء بلا سترة لا بأس عليه ، قال الأبهري : لا خلاف أن السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن من [ ص: 123 ] المرور بين يديه واختلفوا في موضع يأمن ، فعن مالك قولان ، وعند الشافعي هي مشروعة مطلقا ، فإن كان في الفضاء هل يصلي إلى غير سترة ; فأجازه ابن القاسم لهذا الحديث ، وقال مطرف وابن الماجشون : لا بد من السترة ، وذكر عن عروة وعطاء وسالم والقاسم والشعبي والحسن أنهم كانوا يصلون في الفضاء إلى غير سترة .

                                                قوله : "فقد وافق هذا الحديث " أي قد وافق حديث الفضل بن عباس هذا حديث صهيب البكري البصري وحديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة اللذين ذكرا فيما مضى في الفصل الذي قبل هذا ، وهما رويا عن ابن عباس في حديثيهما حكم الحمار ، وأنه لا يقطع الصلاة فكذلك روى الفضل في حديثه المذكور حكم الحمار وأنه لا يقطع الصلاة ، وزاد هو في روايته هذه "الكلب " بأنه لا يقطع الصلاة ، وقد كان روي عن ابن عباس أن مرور الكلب بين يدي المصلي يقطع الصلاة ، وهو المذكور في أول الباب الذي احتج به أهل المقالة الأولى ، وروي عنه أيضا ما يخالفه ، وهو الذي احتج به أهل المقالة الثانية ، وقد ذكرنا أن بينهما تعارضا ظاهرا ، وذكرنا أيضا أن روايته الثانية ناسخة للأولى ; لأنه روي عنه من بعد النبي - عليه السلام -فيما رواه عكرمة عنه- أن الكلب لا يقطع الصلاة ، وفتواه هذه تدل على انتساخ ذلك الحديث الذي فيه القطع ; لأنه لو لم يعلم ذلك ولم يثبت عنده لما قال بعد النبي - عليه السلام - قولا يخالف ما رواه عنه ، ودل ذلك أيضا على أن ما رواه الفضل عن النبي - عليه السلام - من ذلك كان متأخرا عما رواه عبد الله بن عباس عن النبي - عليه السلام - ، والمتأخر ناسخ للمتقدم بلا خلاف .




                                                الخدمات العلمية