الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2624 2625 2626 2627 2628 2629 ص: وقد روي عن جابر بن عبد الله في ذلك نظير ما روي عن ابن مسعود عن النبي - عليه السلام - .

                                                حدثنا أحمد بن داود ، قال : ثنا مسدد ، قال : ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، قال : ثنا هشام بن أبي عبد الله ، قال : ثنا أبو الزبير ، عن جابر قال : " كنا مع النبي - عليه السلام - في سفر ، فبعثني في حاجة فانطلقت إليها ثم رجعت إليه وهو على راحلته ، فسلمت عليه فلم يرد علي ورأيته يركع ويسجد ، فلما سلم رد علي " .

                                                حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا أبو داود ، قال : ثنا هشام . . . فذكر بإسناده مثله ، غير أنه لم يقل :"فلم يرد علي " وقال : "فلما فرغ من صلاته قال : أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي " .

                                                فهذا جابر بن عبد الله أيضا قد أخبر أن رسول الله - عليه السلام - لم يرد عليه ، وأنه لما فرغ من صلاته رد عليه ، فالكلام في هذا مثل الكلام فيما رويناه قبله عن ابن مسعود ، وفي حديث جابر أن رسول الله - عليه السلام -قال : "أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي " فأخبر رسول الله - عليه السلام - أنه لم يكن رد عليه شيء ، فذلك ينفي أن يكون رد عليه بإشارة أو غيرها .

                                                وقد حدثنا ابن أبي داود ، قال : ثنا أبو الوليد ، قال : ثنا يزيد بن إبراهيم ، قال : ثنا أبو الزبير ، عن جابر : " أن النبي - عليه السلام - بعثه لبعض حاجته فجاء وهو يصلي على راحلته ، فسلم عليه فسكت ، ثم أومأ بيده ، ثم سلم عليه فسكت -ثلاثا- فلما فرغ قال : إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي " . .

                                                فهذا جابر - رضي الله عنه - قد أخبر في هذا الحديث أن رسول الله - عليه السلام - أومأ إليه بيده حين سلم ، ثم قال : رسول الله - عليه السلام - بعد ما فرغ من الصلاة : "أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي " . فأخبر رسول الله - عليه السلام - أنه لم يكن رد عليه في الصلاة ، فدل [ ص: 96 ] ذلك أن تلك الإشارة التي كانت منه في الصلاة لم تكن ردا ، وإنما كانت نهيا ، وهذا جابر فقد روى هذا عن النبي - عليه السلام - كما ذكرنا ، وقد روي عنه ما حدثنا فهد ، قال : ثنا عمر بن حفص ، قال : ثنا أبي قال : نا الأعمش ، قال : حدثني أبو سفيان ، قال : سمعت جابرا يقول : " ما أحب أن أسلم على الرجل وهو يصلي ، ولو سلم علي . لرددت عليه " .

                                                حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : ثنا أحمد بن إشكاب ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، فذكر بإسناده مثله .

                                                فهذا جابر بن عبد الله قد كره أن يسلم على المصلي ، وقد كان سلم على رسول الله - عليه السلام - وهو يصلي ، فأشار إليه ، فلو كانت الإشارة التي كانت من النبي ردا للسلام عليه إذا لما كره ذلك ; لأن رسول الله - عليه السلام - لم ينه عنه ، ولكنه إنما كره ذلك ; لأن إشارة النبي - عليه السلام - تلك كانت عنده نهيا منه له عن السلام عليه . وهو يصلي .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي قد روي عن جابر بن عبد الله في كراهة رد السلام على المسلم في الصلاة مثل ما روي عن عبد الله بن مسعود مرفوعا .

                                                وأخرج عنه من خمس طرق : ثلاثة منها مرفوعة ، واثنان موقوفان عليه :

                                                الأول : عن أحمد بن داود المكي ، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري وأبي داود ، عن إسماعيل بن إبراهيم وهو إسماعيل ابن علية روى له الجماعة ، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي روى له الجماعة ، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي روى له الجماعة البخاري مقرونا بغيره .

                                                وأخرجه مسلم : عن أحمد بن يونس ، عن زهير ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : "أرسلني رسول الله - عليه السلام - وهو منطلق إلى بني المصطلق ، فأتيته وهو يصلي على بعيره ، فكلمته ، فقال لي بيده هكذا -وأومأ زهير بيده- ثم كلمته ، فقال لي هكذا- [ ص: 97 ] فأومأ زهير أيضا بيده نحو الأرض -وأنا أسمعه يقرأ يومئ برأسه ، فلما فرغ قال : ما فعلت في الذي أرسلتك له ; فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي " .

                                                الثاني : عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي ، عن هشام الدستوائي ، عن أبي الزبير ، عن جابر . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه ابن ماجه : عن محمد بن رمح المصري ، عن الليث بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : "بعثني النبي - عليه السلام - لحاجة ، ثم أدركته وهو يصلي ، فسلمت عليه فأشار إلي ، فلما فرغ دعاني فقال : إنك سلمت علي آنفا وأنا أصلي " .

                                                وأخرجه مسلم : عن محمد بن رمح أيضا نحوه ، وفي آخره : "وهو موجه حينئذ قبل المشرق " .

                                                الثالث : عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري ، عن يزيد بن إبراهيم التستري ، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي ، عن جابر - رضي الله عنه - .

                                                وهذه الأسانيد كلها صحاح .

                                                وأخرجه البيهقي في "سننه " : من حديث سليمان بن حرب ، عن يزيد بن إبراهيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، نحوه .

                                                الرابع : عن فهد بن سليمان ، عن عمر بن حفص ، عن أبيه حفص بن غياث ، عن سليمان الأعمش ، عن أبي سفيان طلحة بن نافع القرشي الإسكاف ، عن جابر بن عبد الله .

                                                الخامس : عن محمد بن خزيمة بن راشد ، عن أحمد بن إشكاب الحضرمي شيخ البخاري ، عن أبي معاوية محمد بن خازم ، عن سليمان الأعمش ، عن أبي سفيان . . . عن جابر . . . إلى آخره . [ ص: 98 ] وإسنادهما صحيح .

                                                وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه " : ثنا حفص وأبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال : "ما كنت لأسلم على رجل وهو يصلي- زاد أبو معاوية : ولو سلم علي لرددت عليه " .

                                                قوله : "فهذا جابر بن عبد الله . . . " إلى آخره إشارة إلى تصحيح معاني هذه الأحاديث التي رويت عن جابر نظير ما روي عن عبد الله بن مسعود ; بيانه : أن جابرا أخبر في حديثه أن رسول الله - عليه السلام - لم يرد لما سلم عليه ، وأنه إنما رد عليه بعد فراغه من صلاته ، كما قد أخبر عبد الله بن مسعود في حديثه كذلك ، وأخبر جابر أيضا في حديثه أنه - عليه السلام - قال : "أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي " فهذا بعمومه يتناول عدم الرد مطلقا سواء كان بإشارة أو غيرها ، وأخبر جابر أيضا في حديثه الآخر أنه - عليه السلام - أومأ إليه بيده حين سلم ، ثم قال له بعد أن فرغ من صلاته : "أما أنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي " . فأخبر - عليه السلام - أنه لم يكن رد عليه في الصلاة ، فدل ذلك أن تلك الإشارة التي كانت منه في الصلاة لم تكن لأجل رد السلام عليه ; وإنما كانت لأجل النهي عن السلام على المصلي " . وهذا جابر - رضي الله عنه - قد روى هكذا عن النبي - عليه السلام - ، ثم قد روي عنه من نفسه أنه قال : "ما أحب أن أسلم على المصلي ، ولو سلم علي وأنا في الصلاة لرددت عليه " . وقد كره السلام على المصلي ، والحال أنه قد سلم على رسول الله - عليه السلام - وهو يصلي فأشار إليه رسول الله - عليه السلام - فلو كانت تلك الإشارة التي كانت من النبي - عليه السلام - ردا لسلام جابر عليه إذا -أي حينئذ- لما كره جابر السلام على المصلي ; لأن رسول الله - عليه السلام - لم ينهه عن ذلك ، ولكنه إنما كره ذلك لأن إشارته تلك كانت عنده نهيا منه له -أي لجابر - رضي الله عنه - عن السلام عليه في الصلاة .




                                                الخدمات العلمية