الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب .

[4] ولما تلا عليهم ما حرم عليهم، سأل عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زيد الخير، قالا: "يا رسول الله! إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباء، فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما تقتله، فلا ندرك ذكاته، وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها" فنزل قوله تعالى:

يسألونك ماذا
مبتدأ أحل لهم خبره.

قل أحل لكم الطيبات هي الذبائح على اسم الله تعالى.

وما علمتم أي: أحل لكم صيد الذي علمتم.

من الجوارح الصوائد من سباع البهائم والطير; كالكلب، والفهد، والنمر، والبازي، والصقر، والشاهين، والعقاب.

مكلبين مرسلي الكلاب على الصيد، والمكلب: مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد. [ ص: 253 ]

تعلمونهن أي: تؤدبون الكلاب.

مما علمكم الله من تأديب الكلاب للصيد.

فكلوا مما أمسكن عليكم المعنى: إن الجارحة إذا خرجت بإرسال صاحبها، فقتلت الصيد، كان حلالا إذا كانت معلمة، والمعلمة: هي التي إذا أرسلت، استرسلت، وإذا زجرت، انزجرت، وإذا أمسكت، لم تأكل، فإذا وجد ذلك منها، فهي معلمة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وقال مالك: لا يشترط ترك الأكل إذا كان معلما، فيحل أكل ما صاده، وإن أكل منه الكلب والبازي.

واختلف مشترطو ترك الأكل في حد التعليم، فقال أبو حنيفة: لا تأقيت فيه، فمتى قال أهل الخبرة: هذا معلم، حكمنا بكونه معلما، وقال الشافعي: إذا تكرر ذلك منها مرارا; بحيث يظن تأدب الجارحة، كانت معلمة، وقال أحمد: لا يشترط التكرار، فإذا أمسك ولم يأكل، صار معلما. واختلفوا في جواز الاصطياد بالكلب الأسود البهيم، وهو ما لا بياض فيه، فمنع منه أحمد; لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الكلب الأسود شيطان"

وأجازه الثلاثة، وأباحوا أكل ما قتل.

واختلف أيضا مشترطو ترك الأكل في ذي المخلب; كالبازي والصقر ونحوهما، هل يشترط فيها ترك الأكل كالكلب والفهد؟ فقال الشافعي: يشترط، وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يشترط.

واختلفوا في اشتراط الجرح في الصيد، فقال الثلاثة: لا بد أن يجرح، [ ص: 254 ] فإن قتلته الجارحة بصدمته أو خنقه، لم يبح، وقال الشافعي: إذا تحاملت عليه فقتلته بثقلها، حل.

واذكروا اسم الله عليه أي: سموا عليه عند إرساله.

واختلف الأئمة في التسمية عند إرسال الكلب، أو الرمي بالسهم، فقال أبو حنيفة ومالك: إن ترك التسمية عند إرساله أو رميه على الصيد عامدا، لم يجز أكله، وإن تركها ناسيا، جاز، وكذا الحكم عندهما في التسمية عند الذبح، وقال الشافعي: يحل الأكل، سواء تركها عامدا أو ناسيا في الصيد والذبح; لأن التسمية عنده سنة، وقال أحمد: إن ترك التسمية في الصيد عمدا أو سهوا، لم يبح، والحكم عنده في الذبح كأبي حنيفة ومالك.

ويشترط في الذابح والصائد أن يكون مسلما أو كتابيا، فلا يحل صيد مجوسي، ولا وثني، ولا مرتد، ولا ذبائحهم، بالاتفاق، والشافعي يشترط أن يكون الكتابي ممن تحل مناكحته، وهو أن يعلم دخول قومه في دين اليهودية أو النصرانية قبل نسخه وتحريفه.

واتقوا الله في محرماته.

إن الله سريع الحساب وهو أخذكم بما جل ودق.

التالي السابق


الخدمات العلمية