قال "فإن قلت: هل يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، والتقدير: بأنه بورك. والضمير ضمير الشأن والقصة؟ قلت: لا لأنه لا بد من "قد". فإن قلت: فعلى إضمارها؟ قلت: لا يصح لأنها علامة ولا تحذف". انتهى. فمنع أن تكون مخففة لما ذكر، وهذا بناء منه على أن "بورك" خبر لا دعاء. أما إذا قلنا: إنه دعاء كما تقدم في النور فلا حاجة إلى الفاصل كما تقدم. وقد تقدم فيه استشكال: وهو أن الطلب لا يقع خبرا في هذا الباب فكيف وقع هذا خبرا لـ "أن" المخففة وهو دعاء؟ الزمخشري:
[ ص: 574 ] الثاني: من الأوجه الأول: أن القائم مقام الفاعل نفس "أن بورك" على حذف حرف الجر أي: بأن بورك. و "أن" حينئذ: إما ناصبة في الأصل، وإما مخففة.
الثالث: أنه ضمير المصدر المفهوم من الفعل أي: نودي النداء، ثم فسر بما بعده. ومثله "ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه".
قوله: "من في النار" "من" قائم مقام الفاعل لـ "بورك". وبارك يتعدى بنفسه، ولذلك بني للمفعول. يقال: باركك الله، وبارك عليك، وبارك فيك، وبارك لك، وقال الشاعر:
3539 - فبوركت مولودا وبوركت ناشئا وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب
وقال عبد الله بن الزبير:
3540 - فبورك في بنيك وفي بنيهم إذا ذكروا ونحن لك الفداء
وقال آخر:
3541 - بورك الميت الغريب كما بو رك نضح الرمان والزيتون
والمراد بـ "من": إما الباري تعالى، وهو على حذف مضاف أي: من [ ص: 575 ] قدرته وسلطانه في النار. وقيل: المراد به موسى والملائكة، وكذلك بمن حولها. وقيل: المراد بـ "من" غير العقلاء وهو النور والأمكنة التي حولها.
قوله: "وسبحان الله" فيه أوجه، أحدها: أنه من تتمة النداء أي: نودي بالبركة وتنزيه رب العزة. أي: نودي بمجموع الأمرين. الثاني: أنه من كلام الله تعالى مخاطبا لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وهو على هذا اعتراض بين أثناء القصة. الثالث: أن معناه: وبورك من سبح الله. يعني أنه حذف "من" وصلتها وأبقى معمول الصلة إذ التقدير: بورك من في النار ومن حولها، ومن قال: سبحان الله و "سبحان" في الحقيقة ليس معمولا لـ "قال" بل لفعل من لفظه، وذلك الفعل هو المنصوب بالقول.