الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                            صفحة جزء
                                                            3 - باب الصلح على غير الدينار وعلى الزيادة عن دينار وعلى الضيافة وما يشترطه عليهم .

                                                            3714 - أخبرنا الحسين بن محمد الروذباري ، أخبرنا أبو بكر بن داسة ، أخبرنا أبو داود ، أخبرنا المصرف بن عمرو ، حدثنا يونس يعني ابن بكير ، أخبرنا أسباط بن نصر ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي ، عن ابن عباس ، قال : " صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران على ألفي حلة ، النصف في صفر ، والنصف في رجب ، يؤدونها إلى المسلمين وعارية ثلاثين درعا ، وثلاثين فرسا ، وثلاثين بعيرا ، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح ، يغزون بها ، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها [ ص: 7 ] عليهم إن كان باليمن كيد ، على ألا تهدم لهم بيعة ، ولا يجرح لهم قس ، ولا يفتنون عن دينهم ما لم يحدثوا حدثا ويأكلوا الربا " .

                                                            3715 - أخبرنا أبو نصر بن قتادة ، أخبرنا محمد بن عبد الله بن خميرويه ، أخبرنا أحمد بن نجدة ، أخبرنا محمد بن عبد الله بن نمير ، أخبرنا أبي ، أخبرنا عبيد الله ، أخبرنا نافع ، عن أسلم مولى عمر أنه أخبره : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أمراء أهل الجزية : " أن لا يضعوا الجزية إلا على من جرت أو مرت عليهم المواشي ، وجزيتهم أربعون درهما على أهل الورق منهم ، وأربعة دنانير على أهل الذهب ، وعليهم أرزاق المسلمين من الحنطة مدين وثلاثة أقساط زيت ، لكل إنسان في كل شهر من كان من أهل الشام وأهل الجزية ، ومن كان من أهل مصر أردب لكل إنسان كل شهر ، ومن الودك والعسل شيء لم نحفظه ، ويضيفوا من نزل بهم من أهل الإسلام ثلاثة أيام وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعا ، لكل إنسان ، وكان عمر لا يضرب الجزية على النساء ، وكان يختم في أعناق رجال أهل الجزية " .

                                                            3716 - قال الشافعي رحمه الله : وقد روي أن عمر بن الخطاب ضرب على أهل الورق ثمانية وأربعين على أهل اليسر ، وعلى أهل الأوساط أربعة وعشرين ، وعلى من دونهم اثني عشر درهما ، وهذا في الدراهم أشبه بمذهب عمر لأنه عدل الدراهم في الدية اثني عشر درهما بدينار .

                                                            قال الشيخ : وهذا فيما رواه أبو عوف الثقفي ، وأبو مجلز عن عمر مرسلا .

                                                            3717 - وروينا ، عن عمر ، " أنه أمر بأن يؤخذ من أموال أهل الذمة إذا اختلفوا بها للتجارة نصف العشر ، ومن أموال أهل الحرب العشر " .

                                                            3718 - وأما حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس على مؤمن جزية ، ولا [ ص: 8 ] يجتمع قبلتان في جزيرة العرب " .

                                                            وفي حديث آخر : -

                                                            3719 - " ليس على المسلمين عشور ، وإنما العشور على اليهود والنصارى "

                                                            فيحتمل أن يكون المراد به الذمي يسلم فترفع عنه الجزية ولا يعشر ماله إذا اختلف بالتجارة . وأما قوله : " ولا تجتمع قبلتان في جزيرة العرب " فنظير قوله في مرض موته : " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " وإنما أراد والله أعلم الحجاز .

                                                            3720 - فقد روي في حديث أبي عبيدة بن الجراح أنه قال : آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب " .

                                                            3721 - قال الشافعي رحمه الله : والحجاز : مكة ، والمدينة ، واليمامة ومخاليفها كلها . ثم إن عمر بن الخطاب حين أخرجهم منها ضرب لهم بالمدينة إقامة ثلاث ليال يتسوقون بها ويقضون [حوائجهم ، ولا يقيم أحد منهم فوق ثلاث ليال ] .

                                                            3722 - أخبرنا أبو أحمد المهرجاني ، أخبرنا أبو بكر بن جعفر المزكي ، أخبرنا محمد بن إبراهيم العبدي ، أخبرنا ابن بكير ، أخبرنا مالك عن نافع عن أسلم مولى [ ص: 9 ] عمر ، أن عمر بن الخطاب : ضرب لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة إقامة ثلاث ليال فذكره . فأما الحرم فلا يدخله مشرك بحال ، لقول الله عز وجل : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا .

                                                            3723 - وفي الحديث الصحيح ، عن أبي هريرة قال : بعثني أبو بكر رضي الله عنه فيمن يؤذن عنه يوم النحر بمنى " ألا يحج بعد العام مشرك " .

                                                            3724 - وفي حديث زيد بن يثيع ، عن علي : أرسلت إلى أهل مكة بأربع : لا يطوفن بالكعبة عريان ، ولا يقربن المسجد الحرام مشرك بعد عامه . . . وذكر الحديث . وأما سائر المساجد فلا يدخلونها بغير إذن .

                                                            3725 - وروينا في قصة كاتب أبي موسى : من لم يدخل المسجد ، فقال أبو موسى لعمر : إنه لا يستطيع أن يدخل المسجد ، وقال عمر : أجنب هو ؟ قال : لا ، بل نصراني .

                                                            وإذا لجأ الحربي إلى الحرم ، أو من وجب عليه حد من المسلمين فإن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ، ولا فارا لجزية . كما قال عمرو بن سعيد بن العاص لابن شريح حين روى أبو شريح ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار " .

                                                            3726 - قال الشافعي رحمه الله : وإنما معنى ذلك ، والله أعلم ، أنها لم تحلل أن ينصب عليها الحرب حتى تكون كغيرها ، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عندما قتل عاصم بن ثابت ، وخبيب بقتل أبي سفيان في داره بمكة غيلة إن قدر عليه ، وهذا في الوقت [ ص: 10 ] الذي كانت فيه محرمة ، فدل على أنها لا تمنع أحدا من شيء وجب عليه ، وأنها إنما تمنع أن ينصب عليها الحرب كما ينصب على غيرها " .

                                                            3727 - أخبرنا أبو علي الروذباري ، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن عمر بن برهان ، في آخرين قالوا : أخبرنا إسماعيل بن الصفار ، أخبرنا الحسن بن عرفة ، أخبرنا عبد الله بن المبارك ، عن معمر عن زيد بن رفيع ، عن حرام بن معاوية ، قال : كتب إلينا عمر بن الخطاب : " أن أدبوا الخيل ، ولا يرفعن بين ظهرانيكم الصليب ، ولا يجاورنكم الخنازير " .

                                                            3728 - وروينا عن ابن عباس أنه قال : " كل مصر مصره المسلمون لا تبنى فيه بيعة ولا كنيسة ، ولا يضرب فيه بناقوس ، ولا يباع فيه لحم الخنزير . وفي رواية أخرى عنه : ولا تدخلوا فيه خمرا ولا خنزيرا ، وأيما مصر اتخذه العجم ، فعلى العرب أن يفوا لهم بعهدهم ولا يكلفوهم ما لا طاقة لهم به .

                                                            3729 - وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ألا من ظلم معاهدا وانتقصه وكلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة ، ألا ومن قتل معاهدا حرم الله عليه ريح الجنة ، وإن ريحها لتوجد من مسيرة سبعين خريفا " . وفي رواية أخرى أربعين عاما . . .

                                                            التالي السابق


                                                            الخدمات العلمية