الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                            صفحة جزء
                                                            6 - باب شهادة أهل الذمة قال الله عز وجل وأشهدوا ذوي عدل منكم [الطلاق : 2 ] .

                                                            وقال : واستشهدوا شهيدين من رجالكم [البقرة : 282 ] .

                                                            قال : ممن ترضون من الشهداء [البقرة : 282 ] .

                                                            4193 - قال الشافعي : في هاتين الآيتين دلالة على أن الله إنما عنى المسلمين دون غيرهم ، من قبل أن رجالنا ومن نرضى من أهل ديننا لا المشركون لقطع الله الولاية بيننا وبينهم بالدين . ووصف الشهود منا فقال : ذوي عدل منكم فلا تجوز من غيرنا .

                                                            4194 - قال الشيخ : وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس : " يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وقد حدثكم الله : أن أهل الكتاب قد بدلوا ما كتب الله وغيروا " .

                                                            4195 - وعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا [ ص: 153 ] تكذبوهم " .

                                                            4196 - وروى عمر بن راشد ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يتوارث أهل ملتين شتى ، ولا تجوز شهادة ملة على ملة محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنها تجوز على غيرهم " .

                                                            4197 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، أخبرنا العباس بن محمد الدوري ، أخبرنا شاذان ، قال : كنت عند سفيان الثوري فسمعت شيخا يحدث عن يحيى بن أبي كثير فذكره . قال أبو عبد الرحمن شاذان : فسألت عن هذا الشيخ بعض أصحابنا فزعم أنه عمر بن راشد . ورواه أيضا : علي بن الجعد ، والأسود بن عامر ، عن عمر بن راشد ، تفرد به عمر وليس بالقوي .

                                                            [ ص: 154 ] وأما قول الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم ، أو آخران من غيركم [المائدة : 106 ] .

                                                            4198 - فقد قال الحسن البصري : من المسلمين إلا أنه يقول : من القبيلة ، أو من غير القبيلة ، ألا ترى أنه يقول : تحبسونهما من بعد الصلاة .

                                                            4199 - وبمعناه قال عكرمة .

                                                            4200 - قال الشافعي رضي الله عنه : وقد سمعت من يتأول هذه الآية على غير قبيلتكم من المسلمين ، واحتج بما رويناه عن الحسن وبقول الله ولو كان ذا قربى وإنما القرابة بين المسلمين الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من العرب بينهم وبين أهل الأوقاف لا بينهم وبين أهل الذمة ، يقول الله ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين وإنما يتأثر من كتمان الشهادة للمسلمين ، المسلمون لا أهل الذمة .

                                                            4201 - قال : وسمعت من يذكر أنها منسوخة .

                                                            [ ص: 155 ] وذهب مقاتل بن حيان في معنى الآية إلى ما :

                                                            4202 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو الحسن الطرائفي ، وأبو محمد الكعبي ، وأخبرنا إسماعيل بن قتيبة ، أخبرنا أبو خالد يزيد بن صالح ، حدثني بكير بن معروف ، عن مقاتل بن حيان ، في قوله يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل [المائدة : 106 ] وذلك أن رجلين نصرانيين من أهل دارين أحدهما تميم ، والآخر عدي صحبهما . مولى لقريش في تجارة وركبوا البحر ومع القرشي مال معلوم قد علمه أولياؤه من بين آنية وبزورقة فمرض القرشي فجعل الوصية إلى الداريين فمات فقبض الداريان المال فلما رجعا من تجارتهما جاءا بالمال والوصية فدفعاه إلى أولياء الميت وجاءا ببعض ماله فاستنكر القوم قلة المال فقالوا للداريين إن صاحبنا قد خرج معه بمال كثير مما أتيتما به فهل باع شيئا أو اشترى شيئا فوضع فيه أم هل طال مرضه فأنفق على نفسه قالا لا قالوا انكما قد خنتما لنا فقبضوا المال ورفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت إلى آخر الآية . فلما نزلت : أن يحبسا بعد الصلاة أمرهما النبي صلى الله عليه وسلم فقاما بعد الصلاة فحلفا بالله رب السماوات ورب الأرض ما ترك مولاكم من مال إلا ما أتيناكم به وإنا لا نشتري بأيماننا ثمنا من الدنيا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله ، إنا إذا لمن الآثمين فلما حلفا خلى سبيلهما ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت ، وأخذوا الداريين فقالا اشتريناه [ ص: 156 ] منه في حياته وكذبا فكلفا البينة فلم يقدرا عليها فرفعوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تبارك وتعالى فإن عثر يقول : فإن اطلع على أنهما استحقا إثما - يعني الداريين يقول : إن كانا كتما حقا فآخران من أولياء الميت يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله يقول : فيحلفان بالله إن مال صاحبنا كان كذا وكذا ، وأن الذي نطلب قبل الداريين لحق ( وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين ) ، فهذا قول الشاهدين أولياء الميت حين اطلع على خيانة الداريين يقول الله تعالى ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها [المائدة : 108 ] يعني الداريين والناس أن يعودوا لمثل ذلك .

                                                            4203 - وقد رواه الشافعي عن أبي سعيد معاذ بن موسى ، عن بكير بن معروف ، عن مقاتل ، وقال مقاتل : أخذت هذا التفسير عن مجاهد ، والحسن ، والضحاك .

                                                            4204 - قال الشافعي : وإنما معنى ( شهادة بينكم ) أيمان بينكم إذا كان هذا المعنى ، والله أعلم .

                                                            4205 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو قتيبة سلمة بن الفضل الآدمي ، بمكة ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله البصري ، حدثنا علي بن المديني ، حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا ابن أبي زائدة ، عن محمد بن أبي القاسم ، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير ، عن أبيه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري ، وعدي بن بداء فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم ، فلما قدما بتركته فقدوا جام فضة مخوصا بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم وجدوا الجام بمكة فقالوا : اشتريناه من تميم ، وعدي ، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم . وفيهم نزلت هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم [ ص: 157 ] وهذا الحديث الصحيح يشير لتفسير مقاتل بن حيان بالصحة وقد يحتمل أن يكون المراد بقوله شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم

                                                            الشهادة نفسها ، وكذلك ذكرها مقاتل بن حيان بروايتنا وهو أن يكون للمدعين اثنان ذوا عدل من المسلمين يشهدان لهم بما ادعوا على الداريين من الخيانة ، ثم قال أو آخران من غيركم يعني : والله أعلم إذا لم يكن للمدعين منكم بينة ، فالداريان اللذان ادعي عليهما على ما حكاه مقاتل ، فإن عثر على أنهما استحقا إثما يعني ادعيا الابتياع والوارثان لا يعلمان ذلك فيقسمان بالله على ما ذكره مقاتل والله أعلم .

                                                            4206 - أخبرنا أبو محمد الحسن بن عاز المؤمل المؤملي ، أخبرنا أبو عثمان البصري ، أخبرنا أحمد بن عثمان النسوي ، أخبرنا الحسن بن أحمد بن عبد الله بن أبي شعيب ، أخبرنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن أبي النضر ، عن زاذان ، مولى أم هانئ ، عن ابن عباس ، عن تميم الداري في هذه الآية شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت فقال : برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء ، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام - فأتيا الشام بتجارتهما ، وقدم عليهما مولى لبني سهم [يقال له بديل بن أبي مارية ] بتجارة ومعه جام من فضة ، وهو عظم تجارته ، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك إلى أهله .

                                                            قال تميم : فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ، ثم اقتسمناه أخبرنا وعدي بن بداء ، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا ، وفقدوا الجام ، فسألونا عنه ، فقلنا : ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره !

                                                            قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك ، وأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها ، فوثبوا إليه فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة ، فلم يجدوا ، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه ، فحلف ، فأنزل الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إلى قوله تعالى : أن ترد أيمان بعد أيمانهم .

                                                            [ ص: 158 ] فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا ، فنزعت الخمسمائة من يد عدي بن بداء .


                                                            ذكره الكلبي في هذه الرواية ، وذكره في رواية محمد بن مروان عند معنى ما ذكر مقاتل ، فإن كان ما ذكره هاهنا محفوظا فيحتمل إن عثر على أنهما استحقا إثما ، إنما كان بقول تميم الداري وشهادته فكان شاهدا واحدا ، فحلف الوليان الوارثان عمرو بن العاص ، والمطلب بن أبي وداعة مع شاهدهما واستحقا والله أعلم .

                                                            4207 - وروى مجالد عن الشعبي قال : كان شريح يجيز شهادة كل ملة على ملتها ولا يجيز شهادة اليهودي على النصراني ولا النصراني على اليهودي ، إلا المسلمين فإنه يجيز شهادتهم على الملل كلها ، هذا هو مذهب شريح في ذلك وقد غلط فيه أبو خالد الأحمر ، عن مجالد .

                                                            4208 - فروى عنه ، عن الشعبي ، عن جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم : أجاز شهادة اليهود بعضهم على بعض " وفي رواية أخرى : " شهادة أهل الكتاب " وكذا أجمعوا على خطئه في ذلك والله أعلم .

                                                            [ ص: 159 ]

                                                            التالي السابق


                                                            الخدمات العلمية