الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله، الذي جعل التنوع والاختلاف سنة من سنن الحياة ولازمة من لوازم الخلق؛ ليكون ذلك سبيلا للإثراء والعطاء والتكامل والتعاون والتنافع والتعارف والتفاعل وتبادل الخبرات، ومنطلقا للتحريض والتحفيز الحضاري، ودافعا للتسابق في الإنجاز، رغم التأكيد بأن مصدر الخلق واحد، ولا فضل بأصل الخلق، وإنما التفاضل منوط بالكسب والتقوى، وذلك حتى لا يتحول هذا التنوع والاختلاف إلى تصارع ومواجهة، فينحرف عن غايته ومقاصده، التي شرعها الله سبحانه وتعالى، يقول تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (الحجرات: 13).

فبدء الخلق والولادة والامتداد إنما يتحقق من اختلاف النوع أو من التنوع: ( من ذكر وأنثى ) ؛ وقوله تعالى: ( لتعارفوا ) بيان لعلة الخلق ومقصده، يتضمن أبعادا وآفاقا وطبقات من المعاني تتجدد وتتطور، حسب تطور الحياة وتجددها، كما يتضمن، حكما وعقلا وواقعا، الاعتراف بـ (الآخر)، فقوله تعالى: ( لتعارفوا ) يعني فيما يعني - التعاون والتكامل والتفاعل وتبادل المعارف الخبرات مع (الآخر) والتشارك والتنافع المشترك في إقامة الحضارة الإنسانية.

فاستقراء قصة الحضارة الإنسانية والكسب الإنساني بشكل عام يؤكد أنها إنما جاءت نتيجة لمساهمات وتراكمات وتنافعات وتبادل خبرات وتجارب ذات موارد وأصول متنوعة، وأن الله لم يخص بالإنجاز الحضاري أو بميدان السباق الحضاري شعبا أو جنسا أو قوما أو جغرافيا وإنما جعل ذلك الإنجاز متاحا للجميع، ومجالا إنسانيا مشتركا يتاح لكل أمة وشعب وفرد نصيب فيها، لذلك لم تكن الحضارة تاريخيا حكرا على أمة أو شعب وإنما كانت رايتها متنقلة بين الأمم والشعوب، وكانت أشبه ببناء ساهم بوضع لبناته التاريخية نبوات وأفراد وأقوام وشعوب حتى انتهى إلينا.

لذلك، فكلما حاد التنوع والاختلاف عن سننه ومقصده وانحرف عن هذا الجعل الإلهي: ( وجعلناكم شعوبا وقبائل ) ، وتحول التعارف والحوار إلى مواجهة، وكان بأس الناس بينهم شديدا كلما انتكست الحضارة وشقي الخلق؛ ذلك أنه من المستحيل، عقلا وشرعا، أن يكون الخلق نسخة مكررة عن بعضهم، في فهمهم ومشاعرهم وقدراتهم ورغباتهم وحاجاتهم ومع ذلك تقوم بينهم شبكة العلاقات الاجتماعية ويتحقق التعاون والتكامل والتعارف وتمتد الحياة وتقوم الحضارات ويقبل (الآخر)!!

فالجعل الإلهي هذا ( لتعارفوا ) سبيل قيام الحضارة، والحيدة عنه مبعث انقراضها وأفولها.

والصلاة والسلام على المبعوث بحضارة الرحمة الإنسانية، التي جاءت ثمرة تعاون وتكامل وتعارف وتشارك وتفاعل بين قيم النبوة وواقع الناس، فكانت حصيلة لحضارة إنسانية تاريخية، تضمنت إرشاد النبوة لبناء الحضارة، ودورها في تغيير حياة الناس، ووسائلها في تحقيق التفاعل والتكامل بين الوحي الإلهي والعقل الإنساني، وإزالة الحواجز بين الأجناس والألوان والأقوام والشعوب والقبائل، وتجسير التفاعل والتكامل والتعامل بين الناس، واستصحاب الخصائص والصفات الخيرة في الحضارات المتنوعة، لتنمو في مناخ الحرية وعدم الإكراه، الذي أصلته القيم الحضارية الإسلامية، المناخ المطلوب لتفاعلها وتجانسها، وصهرها في بوتقة الحضارة الإنسانية، التي هي ثمرة لفعل الجميع، وتشارك الجميع، وتفاعل الجميع، ولجم الغرائز والشرور والطاقة السلبية، التي تنزع إلى الفساد في الأرض وسفك الدماء، واستخراج عطاء الفطرة، وتحريك الفاعلية الإيجابية؛ فالإسلام فطرة الله، التي فطر الناس عليها، لذلك جاءت الحضارة الإسلامية لتكون حضارة الحضارات، لتكون حضارة إنسانية يصعب تصنيفها في خانة شعب أو أمة أو طبقة أو جغرافية أو عصر.

ذلك أن الأجناس والألوان والأقوام والشعوب والقبائل ليست قيما بحد ذاتها ومجالا للتفاخر والتعالي وإنما هي أوعية للقيم، ووسائل للفعل الحضاري الإنساني والكسب الأفضل في ميادين السباق الحضاري؛ لأنها في المحصلة النهائية أمور قسرية لا يد للإنسان في إيجادها أو نفيها، وإنما تكتسب قيمتها من خلال تميز عطائها.

فرسول الرحمة الإنسانية كانت مهمته الأولى إحداث التفاعل بين وحي الله وعقل الإنسان، بين تعاليم النبوة وواقع الناس، إزالة جميع الحواجز اللونية والقومية، التي تحول دون التفاعل والتعاون والتكامل الحضاري، وتحرير معيار حضارة الرحمة ليصبح كسبيا، فالأكرم هو الأتقى: ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .

وبعد:

فهذا "كتاب الأمة" الخامس والستون بعد المائة: "ضوابط التفاعل الحضاري.. وسائله وآثاره التربوية"، للأستاذ عبد الولي محمد يوسف ، في سلسلة "كتاب الأمة"، التي تصـدرها إدارة البحوث والدراسات الإسلامية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، في سعيها المستمر لتأصيل الفقه الحضاري، وإعادة الفاعلية للفرد والمجتمع والأمة، وفتح أقنية الحوار والتـواصل والتـفـاعـل، والتـأكيد علـى أهميـة استشـعار مسـؤولية استئنـاف الدور الرسالي للمسلم المعاصر، وحمل عطاء حضارة النبوة، حضارة الرحمة: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء: 107) إلى العالم، أمة الدعوة، ومحل الخطاب، والاجتهاد في إبداع الوسائل المناسبة والمؤثرة لتحريك كوامن الإنسان الخيرة، وإطلاق طاقاته الإيجابية، والامتداد بعطاء دين الفطرة، التي فطر الإنسان عليها، ومعالجة أسباب التعصب، التي تتولد بسبب ثمرة الجهل وتنمو بالنزوع صوب الغلو والتشدد والعنف، الذي يتموضع في الأمة بسبب من ذهاب العلم والفقه وتغييب الأنموذج المتبع، والعمل على تحرير الإنسان من كل صنوف الإكراه والعنت ومصادرة حريته على مستوى (الذات) و (الآخر)، وتحقيق كرامة الإنسان، التي لا تتحقق إلا بحرية الاختيار والارتقاء والتسامي فوق حواجز الجنس واللون والقوم والطبقة والقبيلة والعشيرة، تلك الكرامة، التي تمثل قوام الحياة وسبيل امتدادها ونموها وعطائها.

فالحرية والكرامة مرتكز مقومات بناء (الذات) ونموها وتحريضها على السباق والوقاية الحضارية والوصول إلى درجة الأكرم؛ لأنه الأتقى والأقرب إلى الله والأدق اتباعا واقتداء برسول الرحمة صلى الله عليه وسلم والأكثر استيعابا لعلة الجعل الإلهي وحكمته ( وجعلناكم شعوبا وقبائل ) ، ومدى تكليف الإنسان بالمهمة الأساس لهذا الجعل ( لتعارفوا ) ، وإدراك كل ما لهذا التعارف من أبعاد ودلالات لعل من أهمها أنه ثمرة من ثمار الجعل الإلهي وسبيل لتحريك ميكانيكية الفعل الحضاري.

لذلك نقول: إن السقوط الحضاري، أو الوهن الحضاري، الذي يعطل الدور الرسالي التفاعلي للحضارة، أو للأمة بشكل أدق، يبدأ عندما يغيب دورها الرسالي وتنكفئ الأمة على ذاتها دون امتلاك القدرة على المراجعة وكشف الخلل واستيعاب إصابات (الذات)، والاكتفاء بالفخر، والانتشاء بالتاريخ وإنجازات السلف، والتمحور حول الإعجاب بـ (الذات) الحضارية التاريخية، وما قدمت للعالم من العلوم والفنون والكسب المعرفي، الأمر الذي يشكل أساس النهضة الحضارية الشاملة حتى لقد وصلت رسالتها وعطاؤها إلى أقاصي الأرض، وكيف أن التقدم العلمي والمعرفي والحضاري العالمي مدين للحضارة الإسلامية في إبداعه وتطويره ونقله، وينتهي الانفعال عند وقوف الأمة عند هذا الفخر، وتقتات به عندما تعجز عن الفعل الحضاري، لتعالج مركب النقص، الذي تعاني منه من العطالة والتقهقر والتراجع والتخلف، لدرجة يمكن القول عندها:

إن هذا السقوط والوهن الحضاري والانكفاء السلبي على (الذات) والاكتفاء باجترار الماضي سوف يحول الحضارة إلى أشبه ببضاعة الخردة المطروحة في السوق المفتوحة، التي يستفيد منها الناس، وينفعلون بها ويفعلون فيها ما يحلو لهم، وهي عاجزة عن إفادة نفسها والاستفادة من غيرها، لذلك تخسر الأمة أبناءها شيئا فشيئا، ويتحولون حضاريا ليصبحوا مجرد أدوات في آلة الحضـارات الأخـرى، وتصبح حضـارتـهم كالأرض القيـعـان، لا تمـسـك مـاء ولا تنبت كلأ، محرومة من عطاء النبوة الحضاري، مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) (أخرجه البخاري).

وقد يكون من المفيـد في هذا السياق أن نتوقف قليلا لنلقي ضوءا على ما يسمى: حضارة القوة والهيمنة والإكراه والبطش والظلم؛ مقارنة بحضارة القيم والأخلاق والإنسانية والحرية وكرامة الإنسان، لنبدد الوهم الحضاري للطغاة والظلمة والمستكبرين في الأرض؛ فقد تعيش حضارة القوة والهيمنة على بطشها وسواعدها وإكراهها وتوحشها، لكنها لا تلبث أن تسقط بسقوط أسلحتها وجبروتها، حيث يبدأ انفجارها من داخلها، بعدما أكلت منسأتها دابة الأرض، وتلحق بها سنة الانقراض الحضاري بسبب من غياب العدل وبروز الظلم والتحيز والغرور، يقول عليه الصلاة والسلام مبينا علة السقوط والانقراض الحضاري: ( إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) (أخرجه البخاري).

وبذلك السقوط تتحول تلك الإمبراطوريات لحضارة القوة لتصبح عبرة ودرسا للعقلاء، أما الحمقى فيكررون المأساة، ويكونون عبرة لغيرهم، وهكذا تمضي رحلة الحضارة وقصتها، سقوطا ونهوضا.

وبالإمكان القول هنا: إن تفاعل حضارة الرحمة وحضارة النبوة مع الإنسان، واستجابتها لفطرته، وإجابتها عن أسئلته الكبرى، تبقى الأكثر فعلا بالإنسان، وانفعالا بحاجاته، وتفاعلا مع وسائل بنائه، والارتقاء به، مهما ساء الحال، حتى ولو فقدت قوة الساعد، فإنها تبقى تمتلك قوة الفكرة وفطرية القيم وإنسانية الخطاب.

ولعل امتداد القيم الإسلامية في الشرق والغرب والشمال والجنوب اليوم، وتفاعل الناس معها، وانفعالهم بقيمها، وإيمانهم بمبادئها، وحملهم لشعاراتها، وتضحيتهم في سبيلها، على الرغم من قساوة الظروف وشدة المحاصرة وفظاعة صور التشويه، وعلى الرغم من هـوان أهـلها عـلى الناس، مؤشر واضح على أن المعايير الحضارية في الحكم على الأشياء مختلة، وأن ما أنتج من فلسفات عن الدورات الحضارية، من حيث النشأة والنمو والامتداد حتى الانكفاء والتوقف والسقوط والانقراض، لـما ينطبق على الحضارة الإسلامية، لا تاريخيا ولا حـاضرا، حيث كانت ولا تزال قيـم المغـلوب عسـكريا أقوى وأبلغ تأثيرا من سواعد وجبروت الغالب، فقد انقلب المغلوب في كثير من العصور والأماكن إلى استيعاب الغالب، وأخذ مكانه في العطاء والفعل، وإحداث التفاعل، وانقلب الغالب إلى موقع التلقي والانفعال؛ فكم من القوى، التي احتلت بعض بلاد المسلمين تحول أهلها للإيمان بهذا الدين وحمله ونصرته والامتداد به، وكم من الأفراد من جاء عدوا محاربا مقاتلا فتحول مؤمنا مناصرا مجاهدا، والأمثلة التاريخية من صقلية والمغول وتاريخ الإسلام الطويل ما تزال شواهد قائمة على فاعلية حضارة الرحمة وامتدادها، وسقوط حضارة القوة والغلبة وانكفائها وانقراضها.

ولعل في قصة إسلام الفيلسوف الفرنسي "روجيه جارودي"، والنقلة الحضارية الجادة من سكرتير للحزب الشيوعي الفرنسي إلى رحاب الإسلام، نافذة حضارية فيها الكثير من الدروس والعبر؛ فلقد عاش ويلات الحرب، وظروف الاعتقال، وحكم عليه بالإعدام، ورب ضارة نافعة كما يقال.

ففي فرنسا، كان معظم المشتغلين بالكتابة والفنون وأساتذة الجامعات، وحائزي جائزة نوبل إما أعضاء في الحزب الشيوعي أو أصدقاء للشيوعيين، وذلك بسبب الحالة السيئة التي نشأت عن أزمة الرأسمالية وتيار المقاومة لنازية هتلر.

يقول، رحمه الله: "أدى بي موقفي - في ذلك الوقت - إلى السجن لمدة ثلاث سنوات، حيث اعتقلت في سبتمبر (أيلول) 1940م بواسطة مارشال بيتان وحكومة "فيشي". وبقيت رهن الاعتقال حتى نهاية الحرب العالمية الثانية في معسكر بمنطقة جلفا بالصحراء الجزائرية، وهناك وقع حادث عجيب فعلا!

فقد تزعمت تمردا في معسكر الاعتقال، وأجرى "الكوماندور" الفرنسي قائد المعسكر محاكمة سريعة، وأصدر حكما بإعدامي رميا بالرصاص، وأصدر أوامره بتنفيذ ذلك إلى الجنود الجزائريين المسلمين، وكانت المفاجأة عندما رفض هؤلاء تنفيذ إطلاق النار، ولم أفهم السبب لأول وهلة؛ لأنني لا أعرف اللغة العربية، وبعد ذلك علمت من "مساعد" جزائري بالجيش الفرنسي كان يعمل في المعسكر أن شرف المحارب المسلم يمنعه من أن يطلق النار على إنسان أعزل، وكانت هذه أول مرة أتعرف فيها على الإسلام من خلال هذا الحدث المهم في حياتي، وقد علمني أكثر من دراسة عشر سنوات في السوربون".

وقد يكون المثال الأقرب أيضا ما مارسه الحكم الماركسي من تعسف واضطهاد وإقصاء وإلغاء وتهجير وهدم لمؤسسات المسلمين وإغلاق لمساجدهم ومدارسهم، وتحريم المعرفة والتعليم عليهم، ومحاولة طباعة الإنسان حسب النسخة الماركسية، بكل دعايته ودعاواه، الأمر الذي تجاوزت ممارسته السبعين سنة أو ما يقارب القرن، ومع ذلك سقطت الماركسية تلاحقها اللعنات، وعادت القيم الإسلامية إلى الإنسان لينفعل بها، ولترتقي من جديد، ويقوم بدوره الرسالي في مجتمع ما بعد الماركسية، التي سقطت رغم كل بطشها وجيشها وسلاحها ومذهبها وفلسفتها وشعاراتها بأن الدين أفيون الشعوب... ومثلها سوف يكون مصير كل الارتدادات السياسية والأنظمة الدكتاتورية المستبدة والمستعبدة للإنسان في كل أنحاء العالم.

وهنا قضية، قد يكون من المفيد التوقف عندها، ولعلها تعتبر ثمرة لما سبق وأشرنا إليه، وهي أهمية تحرير النظر في المعيار الحضاري، وعدم اقتصاره على بعد حضاري واحد وجانب واحد، ذلك أن المقياس الحضاري هو مقياس مركب شامل متعدد الجوانب لا يقتصر فقط على امتلاك السلطة والقوة.

إن معيار السقوط والنهوض والانقراض الحضاري والفقه الحضاري بحاجة إلى الكثير من الموضوعية والتجرد وتجنب التحيز، والتزام المنهجية العلمية، بعيدا عن المذهبية والطائفية، وامتلاك القدرة على تجاوز الصورة الظاهرة على السطح إلى الحقيقة الغائبة في العمق الممتد عبر القرون.

إن اقتصار المعيار الحضاري على النظر إلى السطح السياسي وامتلاك السلطة بكل وسائلها وأجهزتها ودعاياتها ودعاويها لا يمكن بحال أن يكون دليلا على النهوض والتفاعل الحضاري، الأمر الذي أدى ويؤدي إلى الظن أن طريق بناء الحضارة وعطائها ومفاعيلها هو المغالبة على السلطة وامتلاكها، على الرغم من الركود والتخلف والتراجع في جميع مناحي الحياة، وأن سقوط السلطة يعني توقف وسقوط الحضارة أو توقفها، على الأقل!!

وقد يكون من المناسب هنا أن نقول، في ضوء معطيات الحضارة الإسلامية وتفاعلاتها الممتدة مع (الذات) و (الآخر): إنه على الرغم من أن أول ما نقض من عرى الإسلام عروة الحكم، وكان ذلك سبب الفتن والصراعات والإعاقة والتخلف والاستنزاف والتوقف والإنهاك والوهن، لكن مع ذلك نرى أن الحضارة الإسلامية امتدت بكل مفاعيلها، ولا يزال فعلها وتفـاعلها مستـمرا، سـواء على مستـوى (الذات) أو على مستوى (الآخر)، ولم تسقط رغم سقوط السلطان، وانتقاض عروة الحكم.

لقد انحاز الناس إلى القرآن، بعد انفصال السلطان عن القرآن، انحازوا إلى القيم، وامتد المجتمع الإسلامي مسلما على معظم الأصعدة الحضارية، ولا تزال القيم الإسلامية، التي تصنع الحضارة الإنسانية فاعلة في (الذات)، ومتفاعلة مع (الآخر)، بأقدار ملحوظة، حتى اليوم، وإلى المستقبل؛ لأنها حضارة الإنسان، حضـارة الفطرة، وليسـت حضـارة السـلطـة والغريزة؛ وكانت تلك القيم الخالدة في إضـاءة حياة الناس تـاريخيا كالـكواكب، التي إن غـابت في مكان ظهرت في مكان آخر، فعلا وتفاعلا وانفعالا.

ولعل السبب الرئيس في استمرار عطاء الحضارة وحيويتها وتفاعلها مع الإنسان، حيثما كان، أنها إلى جانب كونها حضارة الفطرة فهي منفتحة على كل إنسان، أينما هو، وحيثما تكون سويته الحضارية، من أكثر الحضارات بدائية إلى أعلاها تقدما وارتقاء؛ وأنها جماع الحضارات السابقة، فقد اعترفت بـها، وأفـادت منها، وأفادتـها، واستصـحبت الصـالح معها، يحدوها قول رسول الرحمة: ( الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها ) (أخرجه الترمذي)، وحالت دون تمدد الفساد فيها، لذلك أقبل الناس على قيمها المنفتحة على الجميع، وتفاعلها مع عطاء الجميع، وتحقيقها المساواة للجميع، بعيدا عن التحيزات بكل أشكالها، التي قد تفسد القيم الحضارية، وتحاصر عطاءها، وتحاول قتل روحها وتفاعلها، في ضوء معيار دقيق يضبط ويحكم عملية التفاعل والتعاون والتعارف الحضاري.

ونستطيع أن نقول هنا: إن الدور الرسالي للحضارة الإسلامية وعالميتها يمنحها طاقة وحيوية، ويحتم عليها التفاعل مع سائر الحضارات، بحيث يصبح التفاعل وتوسيع دائرة المشترك الإنساني والتصاهر الحضاري وممارسة عملية العطاء والأخذ تكليفا شرعيا؛ واستجابة لأمر الله وطاعته، وثوابا، ذلك أن من أخص خصائص الحضارة الإسلامية الاضطلاع بعملية البلاغ المبين، وإيصال قيمها (للآخر).

هذا التبليغ، أو هذا البلاغ والدعوة والحركة والهجرة صوب (الآخر) هي من لوازم الدور الرسالي والنزوع الحضاري الإنساني، فالناس، كل الناس، هم دائما محل خطاب القيم الإسلامية؛ وإخراجهم من الظلمات إلى النور هو الغاية، وإلحاق الرحمة بهم من مقاصد الدين: ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (سبأ: 28)، ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) (المائدة: 67)، ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) (الحجر: 94)، ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) (البقرة: 143)، ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) (آل عمران: 110)، ( الخلق كلهم عيال الله، فأحب الخلق إلى الله من أحسن إلى عياله ) (أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط)، ( خير الناس أنفعهم للناس ) (أخرجه الطبراني في الأوسط).

هذه الركائز والمنطلقات والمرجعيات، التي يقوم عليها الدور الرسالي واستحقاقاته، هي الأساس في إحداث التفاعل والتعارف والتبادل المعرفي والتكامل وتبادل المنافع والتجارب، وهي سبيل النمو والتحضر؛ فالحضارة الإسلامية، في المحصلة النهائية، جهد عالمي، وبناء إنساني تاريخي مشترك ومتراكم، لكل حضارة وأمة ومجتمع منه نصيب؛ والحضارة الإسلامية هي جماع الحضـارات التاريخـية، وحصيلة العطاء الحضاري العالمي، وخاتمة النبوات والوحي الإلهي، ولعل الخصيصة الأبرز في تفاعل الحضارة الإسلامية مع غيرها أنـها تنـطلـق في هـذا التفـاعـل من منهج واضح لكيفية التعامل، ومعيار دقيق لما يؤخذ وما يرد، ومواصفات لحسن الاختيار؛ ليكون هذا التفاعل سبيلا للارتقاء والمعرفة بـ (الآخر)، محل الدعوة والبلاغ المبين، ومن ثم مشاركة له في بناء الحضارة، والحيلولة دون السقوط الحضاري.

ولعل هذا المنهج، وهذا المعيار، هما المقومان الأساس في تأهيل الحضارة الإسلامية لتكون ذات بصيرة حضارية، وسطية، تمكنها من أن تكون شهيدة على الناس، فهي تمتلك قيم الوحي الهادية للعقل، وتمتلك العقل المنضبط بالوحي المجتهد، الـمنزل لهذه القيم وتجلياتها حضاريا في واقع الناس، فهي في الخلاصة: عطاء من عقل الوحي واجتهاد من وحي العقل.

والحقيقة، التي لا مرية فيها، أن وسائل التفاعل الحضاري اليوم أصبحت تفوق الحصر، وفي كل يوم منها جديد، لقد أصبح فضاؤها واسعا جدا، ومتعدد الجوانب والميادين والمجالات، الثقافية والإعلامية والاقتصادية والدبلوماسية والسياحية والمعلـوماتية....؛ ودينـامية التدافع الحضاري مستمرة في الحيـاة وإن تفاوتت سرعتها من حـين لآخر، فهي سنة كونية وقانون سار في الخلق، وهي سبيل النمو والامتداد والتصفية والتنقية على مستوى الأفراد والأسر والأمم والجماعات؛ والبقاء والاستمرار للأصلح وإن بدا لأصحاب النظرات السطحية أنه للأقوى، فالأمور بعواقبها وليس بنتائجها القريبة.

والحضارة الأملك لوسائل التفاعل تبدو هي الأقدر على إحداث الفعل والانفعال بمنجزاتها، ولو إلى حين، وهي التي تحكم وسائل التفاعل وتتحكم فيها.

وقد نقول: إن التخلف، الذي لحق بالمسلمين لسبب أو لآخر جعلهم في موضع الانفعال والتلقي الحضاري، وأفقدهم منهج التفاعل ومعياره في آن واحد، وبذلك تعطل الدور الرسالي التفاعلي للحضارة الإسلامية، وحول شأنها من قوة دافعة فاعلة إلى قوة مانعة منفصلة، تقتصر وظيفتها الأهم، في حالة وهن وهوان المسلمين، على حماية الأمة من الذوبان، وتحتفظ لها بالإمكان الحضاري عند محاولة النهوض واستئناف الدور الفاعل والمتفاعل مع (الآخر)، لـذلك، فالحضـارة الإسـلامية بقيمها الفطرية والإنسانية تتقدم اليوم بقوة الدفع الذاتي.

ونتيجة لهذا التخلف والتراجع الحضاري فقد انبهر الكثير من المسلمين اليوم وارتحل إلى حضارة (الآخر)، ينفعلون بها؛ لأنهم قادمون من مجتمع متخلف يجعلهم يفتقدون القدرة على التفاعل معها والإفادة منها؛ لذلك يحاولون أن يكونوا نسخة مكررة مقلدة عن أهلها، كما أن بعضهم الآخر أصبح نصيبه من الميراث الحضاري الإسلامي مجرد الانفعال والانحياز العاطفي والافتخار به لمعالجة مركب النقص، دون القدرة على التوليد والامتداد في إطار (الذات)، بله التفاعل مع (الآخر).

وهنا قد يكون من المفيد الإشارة إلى قضية تتولد عن التفاعل الحضاري، أو يولدها التفاعل الحضاري، فقد يرتقي التواصل والتفاعل الحضاري إلى مستوى التفكير بـ (الذات) والعودة إليها والتعرف عليها من خلال (الآخر)، كنتيجة لاستشعار التحدي والاستفزاز، الذي يشحذ الذهنية، ويذكي الفاعلية، ويجمع الطاقة، ويبصر بالإمكان الحضاري، ويفتح الكثير من الآفاق المسدودة، ويكشف عن جوانب من (الذات) كانت غائبة أو خفية؛ ولعل ذلك ينطبق، إلى حد بعيد، على كثير من المبتعثين إلى الحضارات الأخرى للدراسة والتدريب والذين كان المفترض أن يشكلوا بحق جسورا للتفاعل الحضاري والتبادل المعرفي، فهم يذهبون بحال مجتمعاتهم، التي يسودها التخلف والرخاوة والوهن واللامبالاة وعدم استشعار المسؤولية وانطفاء الفاعلية وعدم التنبه للدور المنوط بهم؛ وقد تكون النية من ابتعاثهم للحضارات الأخرى غير سليمة، في محاولات ماكرة لإلغاء ذاتهم، والمساهمة بانحلالهم وتذويبهم في حضارة (الآخر)، وإذا بالسحر ينقلب على الساحر حضاريا، فيعرفون ذاتهم وحضارتهم وقيمهم وتميزهم من خلال (الآخر).

لكنهم عندما يعودون بهذه المعطيات يواجهون بمجتمعات متخلفة مغلقة مقفلة الأبواب، تحيطهم بالريبة، وتحاصرهم ولا تفسح المجال لتخصصاتهم، لذلك لا يبقى لهم خيار إلا الانخراط في مسيرة التخلف وتعطيل جميع مكاسبهم المعرفية، وقد يناط بهم الاشتغال بغير تخصصهم؛ هذا بالنسبة للمجتمع بشكل عام.

أما المؤسسات العاملة في مجال الدعوة والعمل الإسلامي والمنوط بها أن تشكل حاضنة لهم، فقد انتهى بعضها ليكون جزءا من مجتمع التخلف، والعيش في كنف السلطان، والقيام بانتقاء الأحكام الشرعية، التي تدعم وتسوغ موقفه؛ وبعضها الآخر، في المقابل، اختزل القيم الإسلامية في المغالبة على السلطان، واستباح في سبيل ذلك الكثير من الممارسات، التي هي محل نظر، من الناحية الشرعية.

وفريق ثالث آثر السلامة، ففضل الانسحاب من المجتمع والتخفف من أعباء الاستخلاف الإنساني وتكاليفه، فلجأ إلى العزلة والانقطاع عن الحياة وتعطيل سنتها الاجتماعية، فأصبح خارج نطاق الحضارة ومفاعليها، رغم أنه يحمل شعار التدين.

وهذا الكتاب، محاولة لاستدعاء ملف التفاعل الحضاري، في حقبة يشتد فيها الصراع والهيمنة والتدافع والتداول الحضاري، والاجتهاد في بناء رؤية ودليل عمل لكيفية التعامل مع الحضارات القائمة، وبيان الأسس التربوية الحضارية الإسلامية، وتحديد الضوابط، التي تحكم عملية التفاعل والتكامل والتعاون والتعارف والتدافع وحتى الصراع الحضاري، ذلك أن ميادين التفاعل متعددة ومتنوعة، ومنها الإيجابي والسلبي، لكنها جميعا في نهاية المطاف تحمل التأثير والتأثر، وتحدث التفاعل الذي يتمحور حول سنة التدافع وضرب الحق والباطل: ( كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) (الرعد: 17).

كما يقدم الباحث نماذج من وسائل التفاعل الحضاري، ويجتهد في رسم طريق الانعتاق من واقع التخلف، وتصويب منهج التفاعل، وضبط معيار الانتفـاع والقبـول والرفض، ذلك أن التفـاعل والتواصل والتداخل أصبح واقعا لا مفر منه، بعد هذا التقدم المتعاظم في وسائل التواصل والاتصال والإعلام، لقد أصبحت العوالم عالما واحدا، فكيف نتعامل معه، كيف يمكن لنا، بعد أن شكلت المنتجات الحضارية الجديدة فضاء واسعا، أن نستثمر فيها للوصول بمهمتنا الرسالية الإنسانية إلى العالم، وإحداث الانفعال والتفاعل والتغيير لواقع الناس، وفق قيم الوحي؟

فقد تكون الإشكالية اليوم في انطفاء الفاعلية والعطالة الفكرية المتولدة عن فقدان الحرية، وشيوع الاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي، وتوقف حركة العقل والاجتهاد والإبداع، وشيوع التقليد والمحاكاة والابتداع، وانصراف الجهود كلها للمغالبة، أو المكالبة على السلطة، أو لتبرير مسالك السلطة، والهـروب إلى التـاريخ، والاقتـصـار على الانفـعـال مـع (الذات)، وليس التـفـاعـل، والافتخار بإنجازات السلف وعطاء الموروث الثقافي، دون القدرة على التفاعل معها واستصحابها وتجريدها من حدود الزمان والمكان، وتوليدها في واقع الناس.

فمسلم حقبة التخلف لا استفاد من تراثه ولا استطاع أن يفيد من منتجات الحضارة الغالبة ويتجنب ويلاتها.

وكيف نكون في مستوى التفاعل الحضاري والتبادل المعرفي، ذلك أن المؤهل للتفاعـل والتبـادل المعـرفي الإنسـان الـذكي الحـاذق المثقف "العدل"، أما "الكل" المتخلف فهو غير مؤهل أصلا للتفاعل والتبادل الثقافي والإفادة من مـيـراث (الذات)؛ فالعـاجز عن استيعـاب ذاته والارتقـاء بـها أكثر عجزا عن الإفادة من (الآخر).

والحمد لله على كل حال.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث