الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3066 ص: وأما وجهه من طريق النظر : فإنا قد رأيناهم أنهم لا يختلفون أن للإمام أن يبعث إلى أرباب المواشي السائمة حتى يأخذ منهم صدقة مواشيهم إذا وجب فيها

                                                [ ص: 118 ] الصدقة ، وكذلك يفعل في ثمارهم
                                                ، ثم يضع ذلك في مواضع الزكوات على ما أمره به -عز وجل- ، لا يأبى ذلك أحد من المسلمين .

                                                فالنظر على ذلك : أن تكون بقية الأموال من الذهب والفضة وأموال التجارات كذلك ، فأما معنى قول رسول الله - عليه السلام - " ليس على المسلمين عشور إنما العشور على اليهود والنصارى " فعلى ما قد فسرته فيما تقدم من هذا الباب ، وقد سمعت أبا بكرة يحكي ذلك ، عن أبي عمر الضرير . وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي : وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس : فإنا قد رأيناهم -أي أهل المقالة الأولى وأهل المقالة الثانية - والباقي ظاهر .

                                                فظهر من كلامه هذا أن للإمام أن ينصب من يأخذ الزكوات من أموال المسلمين سواء كانت من الأموال الظاهرة أو من الأموال الباطنة ، وسواء كان الإمام عادلا يضع ما أخذه في مصارفه أو لم يكن ، وكذلك نوابه سواء كانوا عدولا أو خونة ، ولكن اختلف علماؤنا الحنفية في هذا النظر .

                                                فقال صاحب "البدائع " : وأما سلاطين زماننا الذين إذا أخذوا الصدقات والعشر والخراج ولا يضعونها في مواضعها ، فهل تسقط هذه الحقوق عن أربابها ؟ اختلف المشايخ فيه ، فقد ذكر الفقيه أبو جعفر الهنداوي أنه يسقط ذلك كله وإن كانوا لا يضعونها في أهلها ; لأن حق الأخذ لهم فيسقط عنا بأخذهم ، ثم إن لم يضعوها في مواضعها فالوبال عليهم .

                                                وقال الشيخ أبو بكر بن سعيد الجراح : تسقط ولا تسقط الصدقات ; لأن الخراج يصرف إلى المقاتلة ، وهم يصرفونه إلى المقاتلة ويقاتلون العدو ، ألا ترى أنه لو ظهر العدو فإنهم يقاتلون ويذبون عن حريم المسلمين ؟ ! فأما الزكوات والصدقات فإنهم لا يضعونها في أهلها .

                                                [ ص: 119 ] وقال أبو بكر الإسكاف : إن جميع ذلك لا يسقط ويعطى ثانيا ; لأنهم لا يضعونها في مواضعها ولو نوى صاحب المال وقت الدفع أنه يدفع إليهم ذلك عن زكاة ماله .

                                                قيل : يجوز لأنهم فقراء في الحقيقة ، ألا ترى أنهم لو أدوا ما عليهم من التبعات والمظالم صاروا فقراء ؟ ! وروي عن أبي مطيع البلخي نحو ذلك .

                                                وقيل : إن السلطان لو أخذ مالا من رجل مصادرة بغير حق فنوى صاحب المال وقت الدفع أن يكون ذلك من زكاة ماله وعشر أرضه يجوز ، والله أعلم .

                                                قوله : "فأما معنى قول رسول الله - عليه السلام - . . . " إلى آخره . جواب عما يقال : كيف تقول : إن للإمام أن يأخذ من الناس الصدقات وقد قال - عليه السلام - : " ليس على المسلمين عشور " ؟

                                                وتقرير الجواب ما ذكره فيما مضى مستقصى .

                                                قوله : "وقد سمعت أبا بكرة يحكي ذلك " أي التفسير المذكور في قوله - عليه السلام - : "ليس على المسلمين عشور " .

                                                وأبو بكرة هو بكار بن قتيبة القاضي الزاهد المشهور ، يروي ذلك التفسير عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير البصري شيخ أبي داود وابن ماجه وأحمد بن حنبل ، كان عالما بالفقه والفرائض ثقة كبيرا .




                                                الخدمات العلمية