الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3235 3236 3237 ص: فإن قال قائل : فما معنى قول ابن عباس في حديث عبيد الله بن عبد الله الذي ذكرته عنه في ذلك : "وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله - عليه السلام - " ؟ .

                                                قيل له : معنى ذلك عندنا -والله أعلم- أنهم لم يكونوا علموا قبل ذلك أن للمسافر أن يفطر في السفر كما ليس له أن يفطر في الحضر ، وكان حكم الحضر والسفر في ذلك عندهم سواء ، حتى أحدث لهم رسول الله - عليه السلام - ذلك الفعل الذي أباحه لهم من الإفطار في أسفارهم ، فأخذوا بذلك على أن لهم الإفطار على الإباحة ، ولهم ترك الإفطار .

                                                فهذا معنى حديث ابن عباس هذا ، ويدلك على ذلك ما قد ذكرناه عنه من قوله الذي وصفنا ، وقد ذكرنا عن أنس بن مالك ما يدل على أن معنى ذلك عنده مثل معناه الذي ذكرناه عن ابن عباس .

                                                حدثنا إبراهيم بن محمد بن يونس ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا سفيان ، عن عاصم -وهو الأحول- قال : "سألت أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن صوم شهر رمضان في السفر ، فقال : الصوم أفضل " .

                                                حدثنا فهد ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا الحسن بن صالح ، عن عاصم ، عن أنس قال : "إن أفطرت فرخصة ، وإن صمت فالصوم أفضل " .

                                                [ ص: 353 ] حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا روح ، قال : حدثنا شعبة ، قال : سمعت عاصما يحدث ، عن أنس قال : "إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر ، والصوم أفضل " .

                                                التالي السابق


                                                ش: تقرير السؤال أن يقال : كيف تقولون بأن حكم الصوم في السفر باق وأنه مباح ، وقد روي في حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس أن رسول الله - عليه السلام - خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان ، فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر فأفطر الناس ، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله - عليه السلام - .

                                                فهذا يدل على أن الفطر آخر الأمرين ، وأنهم أخذوا به ، فيكون ناسخا لحكم الصوم الذي كانوا يصومونه في السفر .

                                                وتقرير الجواب أن يقال : إن معنى قوله : "وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله - عليه السلام - " ليس مثل ما فهمتم من كونه دالا على النسخ ، وإنما معناه أنهم لم يكونوا عالمين قبل ذلك بعدم إباحة الإفطار للمسافر كما كان ذلك غير مباح للمقيم ، وكان حكم السفر والإقامة في ذلك سواء عندهم ، حتى أحدث لهم رسول الله - عليه السلام - ذلك الفعل الذي أباحه لهم من الإفطار في السفر ; فأخذوا بذلك ، على أن لهم الإفطار على الإباحة ولهم ترك الإفطار .

                                                قوله : "ويدل على ذلك ما قد ذكرناه عنه " أي : ويدل على ما ذكرنا من المعنى ما قد ذكرناه عن ابن عباس من قوله : "إنما أراد -عز وجل- بالفطر في السفر التيسير عليكم ، فمن يسر عليه الصيام فليصم ، ومن يسر عليه الفطر فليفطر " .

                                                قوله : "وقد ذكرنا عن أنس بن مالك ، عن النبي - عليه السلام - في ذلك قريبا مما ذكرناه عن ابن عباس ، عن النبي - عليه السلام - " وأراد به ما رواه بكر بن عبد الله المزني ، عن أنس : "أن رسول الله - عليه السلام - كان في سفر ومعه أصحابه ، فشق عليهم الصوم . . . " الحديث ، وقد مر عن قريب ، ومعنى هذا قريب من معنى حديث ابن عباس ; لأن فيه أن النبي - عليه السلام - طلب الإناء وشرب وهو على راحلته .

                                                فهذا يدل على أنه أحدث لهم حكم إباحة الإفطار في السفر ; لأنهم كانوا عالمين بذلك .

                                                [ ص: 354 ] قوله : "ثم قد روي عن أنس ما يدل على أن معنى ذلك عنده " أي : ما يدل على أن معنى ما رواه عن النبي - عليه السلام - عنده مثل معنى ما روي عن ابن عباس من التخيير بين الصوم والإفطار في السفر .

                                                وبين ذلك بقوله : "حدثنا إبراهيم بن محمد . . . " إلى آخره .

                                                وأخرجه من ثلاث طرق صحاح :

                                                الأول : عن إبراهيم بن محمد بن يونس مولى عثمان بن عفان ، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري ، عن سفيان الثوري ، عن عاصم بن سليمان الأحول ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - .

                                                الثاني : عن فهد ، عن أبي نعيم الفضل بن دكين ، عن الحسن بن صالح بن صالح بن حي الكوفي ، عن عاصم الأحول ، عن أنس .

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه " : ثنا أبو معاوية ومروان بن معاوية ، عن عاصم قال : "سئل أنس عن الصوم في السفر ، فقال : من أفطر فرخصة ، ومن صام فالصوم أفضل " .

                                                الثالث : عن أبي بكرة بكار ، عن روح بن عبادة ، عن شعبة ، عن عاصم الأحول ، عن أنس .




                                                الخدمات العلمية