الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                [ ص: 490 ] 3364 3365 ص: وكان من حجتهم فيما احتج به عليهم أهل المقالة الأولى : أنه قد روي عن رسول الله - عليه السلام - في إباحته القبلة للصائم ما هو أظهر من حديث ميمونة بنت سعد وأولى أن يؤخذ به ، وهو ما حدثنا ربيع المؤذن ، قال : ثنا شعيب بن الليث ، قال : ثنا الليث ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن عبد الملك بن سعيد الأنصاري ، عن جابر بن عبد الله ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال : "هششت يوما فقبلت وأنا صائم ، فأتيت رسول الله - عليه السلام - فقلت : فعلت اليوم أمرا عظيما ، فقبلت وأنا صائم . فقال رسول الله - عليه السلام - : أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم ؟ فقلت : لا بأس بذلك ، فقال رسول الله - عليه السلام - : ففيم ؟ ! " .

                                                حدثنا علي بن معبد ، ثنا شبابة بن سوار ، قال : ثنا ليث بن سعد . . . فذكر بإسناده مثله .

                                                فهذا الحديث صحيح الإسناد معروف الرواة ، وليس لحديث ميمونة بنت سعد الذي رواه عنها أبو يزيد الضني وهو رجل لا يعرف فلا ينبغي أن يعارض حديث من ذكرنا بحديث مثله ، مع أنه قد يجوز أن يكون حديثه ذلك على معنى خلاف معنى حديث عمر - رضي الله عنه - هذا ، ويكون جواب النبي - عليه السلام - الذي فيه جوابا لسؤال سئل في صائمين بأعيانهما على قلة ضبطهما لأنفسهما ، فقال ذلك فيهما ، أي أنه إذا كانت القبلة منهما فقد كان معها غيرها مما قد يضرهما لأنفسهما .

                                                وهذا أولى ما قد حمل عليه معناه ; حتى لا يضاد غيره .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي : وكان من حجة أهل المقالة الثانية فيما احتج به عليهم أهل المقالة الأولى : أنه قد روي عن النبي - عليه السلام - حديث في إباحة القبلة للصائم ، هو أصح من حديث ميمونة بنت سعد وأشهر ، وهو حديث جابر ، عن عمر بن الخطاب ; فإن رجاله معروفون ثقات ، فلا يعارضه حديث أبي يزيد الضني ، وهو رجل لا يعرف ، فحينئذ يسقط حديثه ولا يعمل به ، وقد ذكرنا أن ابن حزم ادعى أنه منسوخ ، إن كان صحيحا ، وإنما قلنا : إن حديث جابر عن عمر أصح ; لأن إسناده على شرط مسلم ورجاله رجال مسلم وغيره ما خلا ربيعا ، وهو أيضا ثقة .

                                                [ ص: 491 ] وأخرجه أبو داود : ثنا أحمد بن يونس ، قال : ثنا الليث .

                                                ونا عيسى بن حماد ، قال : أنا الليث بن سعد ، عن بكير بن عبد الله ، عن عبد الملك بن سعيد ، عن جابر بن عبد الله ، قال عمر بن الخطاب : "هششت . فقبلت وأنا صائم ، فقلت : يا رسول الله ، صنعت اليوم أمرا عظيما ; قبلت وأنا صائم ، قال : أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم ؟ -قال عيسى بن حماد في حديثه- قلت : لا بأس به ، قال : فمه ؟ ! " .

                                                وأخرجه النسائي والبيهقي .

                                                فإن قيل : قال النسائي : هذا حديث منكر . وقال البزار : لا نعلمه يروى إلا عن عمر من هذا الوجه . وقال أحمد بن حنبل : هذا ريح ، ليس من هذا شيء .

                                                قلت : أخرجه الحاكم في "مستدركه " : أنا عبد الرحمن بن حمدان الجلاب بهمدان ، نا أبو حاتم وإبراهيم بن نصر الرازيان ، قالا : نا أبو الوليد الطيالسي ، نا الليث بن سعد ، عن بكير بن عبد الله الأشج ، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري ، عن جابر بن عبد الله ، عن عمر بن الخطاب . . . إلى آخره نحو رواية الطحاوي .

                                                ثم قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، انتهى .

                                                واحتج به ابن حزم أيضا .

                                                وأبو داود لما أخرجه سكت عنه ، وسكوته يدل على رضاه به ، وأيضا نص الطحاوي على صحته بقوله : فهذا الحديث صحيح الإسناد معروف الرواة .

                                                [ ص: 492 ] قوله : "هششت " أي ارتحت ، يقال : هش لهذا الأمر يهش هشاشة إذا فرح به واستبشر وارتاح له وخف ، وذكره في "الدستور " في باب نصر ينصر ، وفي باب ضرب يضرب أيضا ، وفي باب علم يعلم أيضا ، ولكن الذي ذكره في باب نصر ينصر معناه الإسقاط ، تقول : هششت الورق هشا خبطته بعصى ليتحات ، ومنه قوله تعالى : وأهش بها على غنمي

                                                والذي ذكر في باب ضرب يضرب معناه الليونة ، تقول : هش الخبز هشوشة إذا لان .

                                                والذي ذكره في باب علم يعلم معناه : الارتياح ، وقال الجوهري : وقد هششت لفلان -بالكسر- أهش هشاشة إذا خففت وارتحت له .

                                                قوله : "أرأيت " أي أخبرني .

                                                قوله : "ففيم " أصله ففيما و"ما " استفهامية دخلت عليها حرف الجر ، ومعناه : ففيما فرقك بين الحكمين ، يعني : فلأجل أي شيء تفرق بينها إذا تمضمضت بالماء وأنت صائم ، وبين ما إذا قبلت وأنت صائم ، يعني لا فرق بينهما في أن كلا منهما لا ينتقص الصوم .

                                                قال الخطابي : وفيه إثبات القياس ، والجمع بين الحكمين في الحكم الواحد ; لاجتماعهما في الشبه ، وذلك أن المضمضة بالماء ذريعة لنزوله إلى الحلق والجوف فيكون به فساد الصوم ، كما أن القبلة ذريعة إلى الجماع المفسد للصوم ، نقول : فإذا كان أحد الأمرين منهما غير مفطر ؟ فالآخر بمثابته ، انتهى .

                                                وكلمة "في " للتعليل نحو قوله تعالى : فذلكن الذي لمتنني فيه وقوله - عليه السلام - : "إن امرأة دخلت النار في هرة " .

                                                [ ص: 493 ] وأما "فمه ؟ " في رواية أبي داود فالهاء فيه للسكت .

                                                قوله : "مع أنه قد يجوز . . . إلى آخره " إشارة إلى جواب آخر بطريق التنزل ، تقريره أن يقال : إن حديث أبي يزيد الضني وإن كان صحيحا ولكنه محمول على معنى يخالف معنى حديث عمر - رضي الله عنه - ; لأن معنى حديث عمر : أن القبلة لا تفطر لكونه ممن يضبط نفسه ولا يخاف عليه حصول شيء معها مما هو يضره ، ومعنى حديث أبي يزيد : أنه جواب من النبي - عليه السلام -عن سؤال سئل في صائمين معينين حصلت بينهما قبلة على عدم ضبطهما لأنفسهما ، فقال : إذا كانت قبلة بين مثلهما يدعو ذلك إلى وقوع شيء آخر مما يفسد صومهما ، فلذلك قال في حقهما : "أفطرا " .

                                                فإذا كان معنى كل من الحديثين على ما ذكرنا لا يكون بينهما تضاد لأن شرط التضاد اتحاد المحل ، فهذا أولى ما يحمل عليه حتى يرتفع التضاد والخلاف والله أعلم .




                                                الخدمات العلمية