الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3096 ص: قال أبو جعفر -رحمه الله- : فذهب قوم إلى أن الثمرة التي يجب فيها العشر هكذا حكمها ، تخرص وهي رطب تمرا فيعلم مقدارها ، فتسلم إلى ربها ويملك بذلك حق الله فيها ، ويكون عليه مثلها بكيله ذلك تمرا ، وكذلك يفعل بالعنب .

                                                واحتجوا في ذلك بهذه الآثار .

                                                التالي السابق


                                                ش: أراد بالقوم هؤلاء : الزهري وعطاء والحسن وعمرو بن دينار وعبد الكريم ابن أبي المخارق ومروان والقاسم بن محمد ومالكا والشافعي وأحمد وأبا ثور وأبا عبيد بن سلام ، فإنهم ذهبوا إلى إجازة الخرص في النخيل والأعناب حين يبدو صلاحهما .

                                                وقال ابن رشد : يخلى بينها وبين أهلها يأكلونه رطبا .

                                                [ ص: 172 ] وقال داود : لا خرص إلا في النخيل فقط .

                                                وقال الشافعي : إذا بدا صلاح ثمار النخل والكرم فقد تعلق وجوب الزكاة بهما ، ووجب خرصهما للعلم بقدر زكاتهما فيخرصهما رطبا ، وينظر الخارص كم يصير ثمرا فيثبتها تمرا ، ثم يخير رب المال فيها فإن شاء كانت في يده مضمونة وله التصرف فيها ، فإذا تصرف فيها ضمنها .

                                                فيستفاد بالخرص العلم بقدر الزكاة فيها واستباحة رب المال التصرف في الثمرة بشرط الضمان .

                                                وقال الماوردي عن الشافعي : إنه سنة في الرطب والعنب ، ولا خرص في الزرع . وهو قول أحمد .

                                                وقال الخطابي : الخارص يترك لهم الثلث أو الربع من عرض المال ; توسعة عليهم ، فلو أخذوا باستيفاء الحق كله لأضر ذلك بهم ، وقد يكون منها السقاطة وينتابها الطير ويخترقها الناس للأكل ، فترك لهم الربع توسعة عليهم .

                                                والأصل في ذلك حديث سهل بن أبي حثمة الذي أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي قال : " أمرنا رسول الله - عليه السلام - قال : إذا خرصتم فجدوا ، فإن لم تدعوا أو تجدوا الثلث فدعوا الربع " .

                                                قال الخطابي : وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يأمر الخراص بذلك ، وبهذا قال إسحاق وأحمد .

                                                وذهب غير هؤلاء إلى أنه لا يترك لهم شيئا شائعا في جملة النخل ويفرد لهم نخلات معدودة ، قد علم مقدار تمرها بالخرص .

                                                [ ص: 173 ] وقال ابن حزم في "المحلى " : وأما التمر ففرض على الخارص أن يترك له ما يأكل هو وأهله رطبا على التوسعة ولا يكلف عنها بزكاة .

                                                وهو قول الشافعي والليث بن سعد .

                                                وقال مالك وأبو حنيفة : لا يترك له شيئا .

                                                وذكر ابن بزيزة في "مطامح الأفهام " : قال الجمهور : يقع الخرص في النخل والكرم ، واختلف مذهب مالك هل يخرص الزيتون أم لا ؟ وفيه قولان : الجواز ; قياسا على الكرم .

                                                والمنع ; لوجهين :

                                                الأول : لأن أوراقه تستره .

                                                الثاني : أن أهله لا يحتاجون إلى أن يأكلوه رطبا فلا معنى لخرصه .

                                                وقد اختلف العلماء في الخرص هل هو شهادة أو حكم . فإن كان شهادة لم يكتف بخارص واحد ، وإن كان حكما اكتفى به .

                                                وكذلك اختلفوا في القائف ، والطبيب يشهد في العيوب ، وحاكم الجزاء في الصيد .

                                                واختلف الفقهاء هل يحاسب أصحاب الزروع والثمار بما أكلوا قبل التصفية والجداد أم لا ؟

                                                وكذلك اختلفوا هل يترك لهم قدر العواري والضيف وما في معناه أم لا ؟

                                                واختلفوا أيضا إذا غلط الخارص ، ومحصل الأمر فيه : إن لم يكن من أهل المعرفة بالخرص فالرجوع إلى الخارج لا إلى قوله ، وإن كان من أهل المعرفة ثم تبين أنه أخطأ فهل يؤخذ بقوله أو بما تبين فيه خلاف ، على اختلافهم في المجتهد يخطئ هل ينقض حكمه أم لا ؟




                                                الخدمات العلمية