الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3116 3117 3118 3119 3120 3121 3122 3123 ص: وقد جاءت الآثار عن رسول الله - عليه السلام - بما فرضه في زكاة الفطر موافقة لهذا أيضا .

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا عارم . (ح)

                                                وحدثنا ابن أبي داود ، قال : ثنا سليمان بن حرب ، قالا : ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : " أمر النبي - عليه السلام - بصدقة الفطر عن كل صغير وكبير ، حر وعبد ، صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر . قال : فعدله الناس بمدين من حنطة " .

                                                [ ص: 201 ] حدثنا علي بن شيبة ، قال : ثنا قبيصة قال : ثنا سفيان ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - عليه السلام - مثله .

                                                حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا يحيى بن عيسى ، عن ابن أبي ليلى ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - عليه السلام - بمثله .

                                                حدثنا يزيد بن سنان ، قال : ثنا أبو الوليد وبشر بن عمر ، قالا : ثنا ليث بن سعد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - عليه السلام -
                                                مثله ، غير أنه لم يذكر التعديل .

                                                حدثنا يونس ، قال : ثنا ابن وهب ، أن مالكا أخبره . (ح)

                                                وحدثنا صالح بن عبد الرحمن ، قال : ثنا عبد الله بن مسلمة ، قال : ثنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - عليه السلام - مثله ، غير أنه قال : "عن كل حر وعبد ، ذكر أو أنثى من المسلمين " .

                                                حدثنا فهد ، قال : ثنا عمرو بن طارق ، قال : ثنا يحيى بن أيوب ، عن يونس بن يزيد ، أن نافعا أخبره ، قال : قال عبد الله بن عمر : "فرض رسول الله - عليه السلام - زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل إنسان ذكر حر أو عبد من المسلمين .وكان عبد الله بن عمر يقول : جعل الناس عدله مدين من حنطة " .

                                                فقول ابن عمر : "جعل الناس عدله مدين من حنطة " إنما يريد أصحاب رسول الله - عليه السلام - الذين يجوز تعديلهم ويجب الوقوف عند قولهم ، فإنه قد روي عن عمر مثل ذلك في كفارة اليمين أنه قال ليسار بن نمير : "إني أحلف أن لا أعطي أقواما شيئا ثم يبدو لي فأفعل ، فإذا رأيتني فعلت ذلك فأطعم عني عشرة مساكين كل مسكين نصف صاع من بر ، أو صاعا من تمر أو شعير " .

                                                وروي عن علي - رضي الله عنه - مثل ذلك ، وسنذكر ذلك في موضعه من كتابنا إن شاء الله تعالى ، مع أنه قد روي عن عمر وعن أبي بكر - رضي الله عنهما - أيضا .

                                                وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - في صدقة الفطر : أنها من الحنطة نصف صاع .

                                                وسنذكر ذلك أيضا في هذا الباب إن شاء الله تعالى .

                                                [ ص: 202 ] فدل ذلك على أنهم هم المعدلون لما ذكرنا من الحنطة بالمقدار من الشعير والتمر الذي ذكرنا ، ولم يكونوا يفعلون ذلك إلا بمشاورة أصحاب النبي - عليه السلام - واجتماعهم لهم على ذلك ، فلو لم يكن روي لنا في مقدار ما يعطى من الحنطة في زكاة الفطر إلا هذا التعديل ; لكان ذلك عندنا حجة عظيمة في ثبوت ذلك المقدار من الحنطة ، وأنه نصف صاع ، فكيف وقد روي مع ذلك عن أسماء أنها كانت تخرج ذلك المقدار على عهد رسول الله - عليه السلام - أيضا .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي : وقد جاءت الأحاديث عن النبي - عليه السلام - بالذي فرضه في صدقة الفطر حال كونها موافقة في المعنى لحديث أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنه - ، ولما روي من أثر أبي سعيد الخدري .

                                                فمن ذلك حديث عبيد الله بن عمر .

                                                أخرجه من ثمانية طرق :

                                                الأول : إسناده صحيح . عن إبراهيم بن مرزوق ، عن عارم وهو محمد بن الفضل السدوسي البصري شيخ البخاري ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب السختياني ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - .

                                                وأخرجه البخاري : ثنا أبو النعمان ، ثنا حماد بن زيد ، ثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : " فرض النبي - عليه السلام - صدقة الفطر -أو قال : رمضان- على الذكر والأنثى والحر والمملوك ، صاعا من تمر أو صاعا من شعير ، فعدل الناس به نصف صاع من بر ، فكان ابن عمر يعطي التمر ، فأعوز أهل المدينة من التمر فأعطى شعيرا ، فكان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير ، حتى إن كان ليعطي عن بني ، وكان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها ، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين " .

                                                الثاني : أيضا صحيح . عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن سليمان بن حرب الواشحي شيخ البخاري وأبي داود ، عن حماد بن زيد . . . إلى آخره .

                                                [ ص: 203 ] وأخرجه الترمذي : ثنا قتيبة ، قال : ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : "فرض رسول الله - عليه السلام - صدقة الفطر على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير . قال : فعدل الناس إلى نصف صاع من بر " .

                                                قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

                                                الثالث : أيضا صحيح . عن علي بن شيبة بن الصلت ، عن قبيصة بن عقبة السوائي الكوفي شيخ البخاري ، عن سفيان الثوري ، عن عبيد الله بن عمر العمري المدني ، عن نافع . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه البخاري : عن مسدد ، عن يحيى ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر نحوه . غير أنه لم يذكر التعديل .

                                                الرابع : عن محمد بن عمرو بن يونس التغلبي ، عن يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن الكوفي الجرار ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن نافع ، عن ابن عمر . . . إلى آخره .

                                                وهذا إسناد لين من جهة ابن أبي ليلى .

                                                الخامس : صحيح . عن يزيد بن سنان القزاز ، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري ، وبشر بن عمر بن الحكم الزهراني ، كلاهما عن ليث بن سعد . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه مسلم وذكر فيه التعديل ، وقال : ثنا قتيبة بن سعيد ، قال : ثنا ليث .

                                                وثنا محمد بن رمح ، قال : أنا الليث ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر قال : "إن رسول الله - عليه السلام - أمر بزكاة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير ، قال ابن عمر : فجعل الناس عدله مدين من حنطة " .

                                                [ ص: 204 ] وأخرجه ابن ماجه نحوه .

                                                السادس : صحيح أيضا . عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه البخاري : ثنا عبيد الله بن يوسف أنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر : "أن رسول الله - عليه السلام - فرض زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين " .

                                                السابع : عن صالح بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن مسلمة شيخ الشيخين وأبي داود ، عن مالك . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه مسلم : ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب وقتيبة بن سعيد ، قالا : ثنا مالك ، وثنا يحيى واللفظ له ، قال : قرأت على مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر : "أن رسول الله - عليه السلام - فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير ، على كل حر أو عبد ، ذكر أو أنثى من المسلمين " .

                                                وأخرجه بقية الجماعة .

                                                الثامن : عن فهد بن سليمان ، عن عمرو بن طارق هو عمرو بن الربيع بن طارق الهلالي الكوفي نزيل مصر وشيخ الشيخين ، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري ، عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن نافع . . . إلى آخره .

                                                وهذا أيضا إسناد صحيح .

                                                وأخرجه الطحاوي أيضا في "مشكله " من حديث يونس بن يزيد ، عن نافع . . . إلى آخره .

                                                [ ص: 205 ] قوله : "إنما يريد أصحاب رسول الله - عليه السلام - " أراد : إنما يريد عبد الله بن عمر من قوله : "جعل الناس عدله " أصحاب رسول الله - عليه السلام - ، الذين يجوز تعديلهم في مثل هذا الأمر ، ويجب الوقوف عند قولهم لعلمهم موارد النصوص ، ووقوفهم على المراد منها .

                                                والعدل : بفتح العين ما عادل الشيء وكافأه من غير جنسه ، فإن كان من جنسه فهو عدل بالكسر ، وقيل : كلاهما لغتان بمعنى المثل مطلقا .

                                                قوله : "فإنه روي عن عمر - رضي الله عنه - مثل ذلك " أي : فإن الشأن : روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مثل ما ذكر من التعديل ، حيث عدل نصف صاع من بر بصاع من شعير في كفارة اليمين .

                                                وأخرجه مسندا في كتاب الأيمان من طرق كثير ; على ما يأتي إن شاء الله تعالى ، منها ما رواه عن أبي بشر الرقي ، قال : نا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، عن يسار بن نمير قال : قال لي عمر - رضي الله عنه - : " إني أحلف أن لا أعطي أقواما ثم يبدو لي أن أعطيهم ، فإذا رأيتني فعلت ذلك فأطعم عني عشرة مساكين كل مسكينين صاعا من تمر " .

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال : نا بشر بن عمر ، قال : نا شعبة ، عن سليمان ، عن أبي وائل ، عن يسار بن نمير ، عن عمر مثله .

                                                غير أنه قال : "عشرة مساكين كل مسكين نصف صاع حنطة أو صاع تمر " .

                                                قوله : "وروي عن علي مثل ذلك "أي : روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - التعديل مثل ما روي عن عمر بن الخطاب ، أخرجه مسندا أيضا في كتاب الأيمان عن ابن أبي عمران ، عن بشر بن الوليد ، وعن علي بن صالح ، كلاهما عن أبي يوسف ، عن ابن أبي ليلى ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن علي - رضي الله عنه - في كفارات الأيمان . . . فذكر نحوا مما روي عن عمر - رضي الله عنه - .

                                                قوله : "مع أنه قد روي عن عمر وعن أبي بكر وعن عثمان - رضي الله عنه - في صدقة الفطر أنها من الحنطة نصف صاع " أشار بهذا إلى أنه قد روي عن عمر بن الخطاب صريحا

                                                [ ص: 206 ] أن صدقة الفطر نصف صاع من الحنطة غير ما روي عنه من التعديل المذكور في كفارة اليمين ، وكذا روي ذلك عن أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان - رضي الله عنهما - ، على ما يجيء جميع ذلك عن قريب في هذا الباب إن شاء الله تعالى .

                                                قوله : "فدل ذلك على أنهم هم المعدلون " أي : فدل ما ذكرنا من تعديل عمر وعلي ، وإخراج عمر وعثمان وأبي بكر الصديق - رضي الله عنهم - صدقة الفطر من القمح نصف صاع ، على أن هؤلاء هم المعدلون من الحنطة بنصف صاع نظير الصاع من الشعير والتمر ، وأنهم لم يكونوا فعلوا ذلك إلا بمشورة من أصحاب النبي - عليه السلام - من غير إنكار أحد منهم ، فصار ذلك إجماعا منهم على ذلك ، فلو لم يكن المروي في مقدار ما يخرج من الحنطة لأجل الفطرة إلا هذا التعديل من هؤلاء الصحابة ; لكان ذلك كافيا في الاحتجاج ; لأن الإجماع من أقوى الحجج ، أشار إلى ذلك بقوله : لكان ذلك عندنا حجة عظيمة ، فكيف وقد روي مع هذا التعديل المنقول عنهم والتصريح بأن بعضهم كانوا يخرجون نصف صاع من الحنطة ، عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - : "أنها كانت تخرج نصف صاع من الحنطة على عهد النبي - عليه السلام - " .

                                                فاجتمع في ذلك ما فعل في عهد النبي ، وما نقل من التعديل عن بعض الصحابة ، وما روي عن بعضهم بما ذكرنا أيضا ، وما حكي من اجتماعهم على ذلك ، فصار حجة قوية لا مساغ للخلاف فيها .

                                                ثم اعلم أن ما وقع في رواية مالك بن أنس من لفظة : "من المسلمين " تكلم العلماء فيه .

                                                قال الشيخ في "الإمام " : وقد اشتهرت هذه اللفظة من رواية مالك حتى قيل : إنه تفرد بها .

                                                قال أبو قلابة عبد الملك بن محمد : ليس أحد يقول فيه : "من المسلمين " غير مالك .

                                                وقال الترمذي بعد تخريجه له : زاد فيه مالك "من المسلمين " ، وقد رواه غير واحد عن نافع فلم يقولوا فيه : "من المسلمين " . انتهى .

                                                [ ص: 207 ] قال : فمنهم : الليث بن سعد وحديثه عند مسلم ، وعبيد الله بن عمر وحديثه أيضا عند مسلم ، وأيوب السختياني وحديثه عند البخاري ومسلم ، كلهم رووه عن ابن عمر ولم يقولوا فيه : "من المسلمين " .

                                                قال : وتبعهما على هذه المقالة جماعة .

                                                قال الشيخ : وليس بصحيح فقد تابع مالكا على هذه اللفظة من الثقات سبعة وهم : عمر بن نافع والضحاك بن عثمان والمعلى بن إسماعيل وعبد الله بن عمر وكثير بن فرقد وعبيد الله بن عمر العمري ويونس بن يزيد .

                                                فحديث عمر بن نافع رواه البخاري في "صحيحه " : عنه ، عن أبيه نافع ، عن ابن عمر قال : "فرض رسول الله - عليه السلام - زكاة الفطر صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين ، وأمر بها أن تؤدى قبل الصلاة " .

                                                وحديث الضحاك بن عثمان أخرجه مسلم : عنه ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : "فرض رسول الله - عليه السلام - زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين : حر أو عبد ، رجل أو امرأة ، صغير أو كبير صاعا من تمر أو صاعا من شعير " .

                                                وحديث المعلى بن إسماعيل أخرجه ابن حبان في "صحيحه " في النوع الرابع والعشرين من القسم الأول : عنه ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : "أمر رسول الله - عليه السلام - زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير عن كل مسلم صغير وكبير حر أو عبد . قال ابن عمر : ثم إن الناس جعلوا عدل ذلك مدين من قمح " .

                                                وحديث عبد الله بن عمر أخرجه الحاكم في "المستدرك " : عنه ، عن نافع ، عن

                                                [ ص: 208 ] ابن عمر : "أن رسول الله - عليه السلام - فرض زكاة الفطر صاعا من تمر ، أو صاعا من بر ، على كل حر أو عبد ، ذكر أو أنثى من المسلمين " . وصححه .

                                                ورواه الدارقطني في "سننه " ، والطحاوي في "مشكله " .

                                                وحديث كثير بن فرقد أخرجه الحاكم في "مستدركه " : عنه ، عن نافع ، عن ابن عمر : "أن رسول الله - عليه السلام - فرض زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من بر على كل حر أو عبد ، ذكر أو أنثى من المسلمين " . وصححه .

                                                ورواه الدارقطني في "سننه " ، والطحاوي في "مشكله " .

                                                وحديث عبيد الله بن عمر العمري أخرجه الدارقطني : عنه ، عن ابن عمر بنحوه سواء .

                                                وحديث يونس بن يزيد أخرجه الطحاوي في "مشكله " : عنه ، أن نافعا أخبره قال : قال عبد الله بن عمر : "فرض رسول الله - عليه السلام - على الناس زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير على كل إنسان ذكر أو أنثى ، حر أو عبد من المسلمين " .

                                                وقال أبو عمر في "التمهيد " : لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولا في متنه ولا في قوله فيه : "من المسلمين " إلا قتيبة بن سعيد وحده ، فإنه روى هذا الحديث عن مالك ولم يقل فيه : "من المسلمين " ، وزعم بعض الناس أنه لا يقول فيه أحد : "من المسلمين " غير مالك .

                                                وذكره أيضا أحمد بن خالد ، عن ابن وضاح ، وليس كما ظن الظان ، وقد قاله غير مالك عن جماعة ، ولو انفرد به مالك لكان حجة توجب حكما عند أهل العلم ، فكيف ولم ينفرد به ؟ !

                                                [ ص: 209 ] وقال أبو عمر أيضا : اختلفوا في العبد الكافر والغائب المسلم .

                                                فقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور : ليس على أحد أن يؤدي عن عبده الكافر صدقة الفطر وإنما هي على من صام وصلى ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن ، وحجتهم قوله - عليه السلام - في هذا الحديث : "من المسلمين " ، وقال الثوري وسائر الكوفيين : عليه أن يؤدي زكاة الفطر عن عبده الكافر .

                                                وهو قول عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز ، والنخعي ، وروي ذلك عن أبي هريرة وابن عمر - رضي الله عنهم - ، انتهى .

                                                قلت : نذكر أولا ما احتج به أصحابنا فيما ذهبوا إليه من وجوب صدقة الفطر عن عبده الكافر ، ثم نجيب عن حديث مالك الذي فيه "من المسلمين " فنقول :

                                                روى الدارقطني في "سننه " : عن سلام الطويل ، عن زيد العمي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - عليه السلام - : "أدوا صدقة الفطر عن كل صغير وكبير ، ذكر أو أنثى ، يهودي أو نصراني حر أو مملوك ، نصف صاع من بر ، أو صاعا من تمر أو شعير " .

                                                فإن قيل : قال الدارقطني : لم يسند هذا الحديث غير سلام الطويل وهو متروك .

                                                ورواه ابن الجوزي في "الموضوعات " وقال : زيادة "اليهودي والنصراني " فيه موضوعة ، انفرد بها سلام الطويل وكأنه تعمدها ، وأغلظ فيه القول عن النسائي وابن حبان .

                                                قلت : جازف ابن الجوزي في مقالته من غير دليل ، فكان ينبغي أن يذكره مثل الدارقطني ، وكيف وقد أخرج الطحاوي في "مشكله " ما يؤيد هذا عن ابن المبارك ، عن ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : "كان يخرج زكاة الفطر عن كل إنسان يعول ، من صغير وكبير ، حر أو عبد ولو كان نصرانيا ; مدين من قمح أو صاعا من تمر " .

                                                [ ص: 210 ] وحديث ابن لهيعة يصلح للمتابعة سيما رواية ابن المبارك عنه .

                                                ويؤيده أيضا ما أخرجه الدارقطني : عن عثمان بن عبد الرحمن ، عن نافع ، عن ابن عمر : "أنه كان يخرج صدقة الفطر عن كل حر وعبد ، صغير وكبير ، ذكر وأنثى ، كافر ومسلم ، حتى إن كان ليخرج عن مكاتبيه من غلمانه " .

                                                قال الدارقطني : وعثمان هذا هو الوقاصي وهو متروك .

                                                وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه " : عن ابن عباس قال : "يخرج الرجل زكاة الفطر عن كل مملوك له وإن كان يهوديا أو نصرانيا " .

                                                وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه " : عن إسماعيل بن عياش ، عن عمر بن مهاجر ، عن عمر بن عبد العزيز ، قال : سمعته يقول : "يؤدي الرجل المسلم عن مملوكه النصراني صدقة الفطر " .

                                                ثنا عبد الله بن داود ، عن الأوزاعي ، قال : بلغني عن ابن عمر : "أنه كان يعطي عن مملوكه النصراني صدقة الفطر " .

                                                ثنا وكيع ، عن ثور ، عن سليمان بن موسى ، قال : "كتب إلي عطاء يسأله عن عبيد يهود أو نصارى : أطعم عنهم زكاة الفطر ؟ قال : نعم " .

                                                ثنا ابن عياش ، عن عبيدة ، عن إبراهيم ، قال مثل قول عمر بن عبد العزيز .

                                                نا محمد بن بكر ، عن ابن جريج قال : قال عطاء : "إذا كان لك عبيد نصارى لا يدارون -يعني : للتجارة- فزك عنهم يوم الفطر " .

                                                [ ص: 211 ] وأما الجواب عن حديث مالك فما ذكره الطحاوي في "مشكل الآثار " أن قوله - عليه السلام - : "من المسلمين " يعني : من يلزمه إخراج الزكاة عن نفسه وعن غيره ولا يكون إلا مسلما ، وأما العبد فلا يلزمه في نفسه زكاة الفطر وإنما يلزم مولاه المسلم عنه ، ألا ترى إلى إجماع العلماء في العبد يعتق قبل أن يؤدي مولاه عنه زكاة الفطر أنه لا يلزمه إذا ملك بعد ذلك مالا إخراجها عن نفسه ، كما يلزمه إخراج كفارة ما حنث فيه من الأيمان ، وأنه عبد ، وأنه لا يكفرها بصيام ، ولو لزمته صدقة الفطر لأداها عن نفسه .

                                                قلت : التحقيق في هذا المقام أن في صدقة الفطر نصين :

                                                أحدهما : جعل الرأس المطلق سببا ، وهو الرواية التي ليس فيها "من المسلمين " .

                                                والنص الآخر : جعل رأس المسلم سببا ، ولا تنافي في الأسباب ; إذ يجوز أن يكون لشيء واحد أسباب متعددة شرعا وحسا على سبيل البدل ، كالملك يثبت بالشراء والهبة والوصية والصدقة والإرث ، فإذا امتنعت المزاحمة وجب الجمع بإجراء كل واحد من المطلق والمقيد على سببه من غير حمل أحدهما على الآخر ، فيجب أداء صدقة الفطر عن العبد الكافر بالنص المطلق ، وعن المسلم بالمقيد .

                                                فإن قيل : إذا لم يحمل المطلق على المقيد أدى إلى إلغاء المقيد ، فإن حكمه يفهم من المطلق ، فإن حكم العبد المسلم يستفاد من إطلاق اسم العبد ، فلم يبق لذكر المقيد فائدة .

                                                قلت : ليس كذلك ، بل فيه فوائد وهي أن يكون المقيد دليلا على الاستحباب والفضل ، أو على أنه عزيمة ، والمطلق رخصة ، أو على أنه أهم وأشرف حيث نص عليه بعد دخوله تحت الاسم المطلق كتخصيص الصلاة الوسطى وجبريل وميكائيل بعد دخولها في مطلق الصلوات ، ودخولهما في مطلق اسم الملائكة ومتى أمكن العمل بهما ، واحتمال الفائدة قائم ، لا يجوز إبطال صفة الإطلاق .




                                                الخدمات العلمية