الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3160 ص: فإن قال قائل : إن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قد روي عنه خلاف هذا ، فذكر ما حدثنا أحمد بن داود ، قال : ثنا أبو الوليد الطيالسي ، قال : ثنا شعبة ، قال : ثنا عبد الله بن عبد الله بن جبر ، سمع أنس بن مالك يقول : " إن النبي - عليه السلام - كان يتوضأ بالمكوك ويغتسل بخمس مكاكي " .

                                                قال : فهذا الحديث يخالف الحديث الأول .

                                                قيل له : ما في هذا عندنا خلاف له ; لأن حديث شريك إنما فيه أن رسول الله - عليه السلام - كان يتوضأ بالمد ، وقد وافقه على ذلك عتبة بن أبي حكيم فروى عن عبد الله بن جبر

                                                [ ص: 249 ] نحوا من ذلك ، فلما روى شعبة ما ذكرنا عن عبد الله بن جبر ; احتمل أن يكون أراد بالمكوك المد ; لأنهم كانوا يسمون المد مكوكا ، فيكون الذي كان يتوضأ به مدا ، ويكون الذي يغتسل به خمس مكاكي ، يغتسل بأربعة منها وهي أربعة أمداد وهي صاع ، ويتوضأ بآخر وهو مد ، فجمع في هذا الحديث ما كان يتوضأ به للجنابة ، وما كان يغتسل به لها وأفرد في حديث عتبة ما كان يغتسل به لها خاصة دون ما كان يتوضأ به ، وإن كان ذلك الوضوء لها أيضا .

                                                التالي السابق


                                                ش: تقرير السؤال أن يقال : استدلالكم بما روى عبد الله بن جبر عن أنس لا يتم ; لأنه روي عنه ما يخالف هذا ، وهو : "أنه كان يتوضأ بالمكوك ويغتسل بخمس مكاكي " .

                                                وتقرير الجواب أن يقال : لا نسلم المخالفة المذكورة ; لأن المذكور فيما رواه شريك عن عبد الله بن جبر عن أنس : "كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ بالمد " ، وقد وافقه على ذلك عتبة بن أبي حكيم فيما روي فيما مضى ، حيث قال : حدثني عبد الله بن جبر بن عتيك قال : "سألنا أنسا عن الوضوء الذي يكفي الرجل ، قال : كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ من مد " ، فلما روى شعبة بن الحجاج في هذا الحديث عن عبد الله بن جبر ، عن أنس : " أنه - عليه السلام - كان يتوضأ بالمكوك " احتمل أن يكون أراد بالمكوك المد ; لأنهم كانوا يسمون المد مكوكا ، قال ابن الأثير : المكوك : المد ، وقيل : الصاع ، والأول أشبه ; لأنه جاء في الحديث مفسرا بالمد .

                                                فحينئذ يكون الذي كان يتوضأ به مدا ، ويتفق معنى الأحاديث ، ويكون الذي يغتسل به خمس مكاكي ، كان يغتسل بأربعة منها أي بأربع مكاكيك وهي أربعة أمداد وهي صاع ، ويتوضأ بمكوك آخر وهو مد ، غاية ما في الباب أنه جمع في حديث شعبة هذا ما كان يتوضأ للجنابة وما كان يغتسل به لها ، حيث قال : "ويغتسل بخمس مكاكي " ، وأما في حديث عتبة بن أبي حكيم فقد فصل ، وأفرد ما كان يغتسل به للجنابة خاصة ، وما كان يتوضأ به خاصة أيضا ; وذلك لأن عتبة قال : "سألنا أنسا عن الوضوء الذي يكفي الرجل من الماء ، فأجاب أنس بأنه - عليه السلام -

                                                [ ص: 250 ] كان يتوضأ من مد " ثم قال : "سألنا أنسا عن الغسل من الجنابة كم يكفي من الماء ؟ قال : الصاع . . . "
                                                الحديث ، فبحسب تفصيل السؤال أجاب بتفصيل الجواب .

                                                ثم إسناد حديث شعبة عن ابن جبر عن أنس صحيح .

                                                وأبو الوليد اسمه هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري .

                                                وأخرجه مسلم : نا إبراهيم ، نا مسلم ، نا عبيد الله بن معاذ ، قال : ثنا أبي .

                                                ونا محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي - قالا : ثنا شعبة ، عن عبد الله بن عبد الله بن جبر ، قال : سمعت أنسا قال : " كان رسول الله - عليه السلام - يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضأ بمكوك " .

                                                وأخرجه النسائي : أنا سويد بن نصر ، قال : أبنا عبد الله ، قال : ثنا شعبة ، عن عبد الله بن جبر ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : "كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمس مكاكي " .

                                                وأخرجه أبو داود أيضا .

                                                ثم "المكوك " بفتح الميم وتشديد الكاف الأولى ، وهي إناء يسع المد معروف عندهم ، ويقال : المكوك اسم للمكيال ، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد ، وقال عياض : المكوك مكيال لأهل العراق يسع صاعا ونصف صاع بالمدني .

                                                وقال الجوهري : المكوك مكيال ، وهي ثلاث كيلجات ، والكيلجة منا وسبعة أثمان منا ، والمنا رطلان ، والرطل اثنتي عشرة أوقية ، والأوقية إستار وثلثا إستار ، والإستار أربعة مثاقيل ونصف ، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم ، والدرهم ستة دوانيق ، والدانق قيراطان ، والقيراط طسوح ، والطسوح حبتان ، والحبة سدس ثمن درهم ، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءا من درهم . انتهى .

                                                [ ص: 251 ] ثم المكوك يجمع على مكاكيك وعلى مكاكي أيضا على إبدال الياء من الكاف الأخيرة ، فيقال : مكاكي بتشديد الياء ، فقد وقع في رواية مسلم : "مكاكيك " وفي رواية الطحاوي والنسائي : "مكاكي " .




                                                الخدمات العلمية