الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3238 3239 3240 3241 3242 3243 3244 3245 3246 ص: وكان من الحجة على أهل المقالة الأولى التي قد ذكرناها لأهل المقالة الثانية التي قد وصفناها : أنا قد رأيناهم كانوا مع رسول الله - عليه السلام - بعد أن أباح لهم الإفطار في السفر يصومون فيه .

                                                فمما روي في ذلك :

                                                ما حدثنا يزيد بن سنان وربيع الجيزي وصالح بن عبد الرحمن ، قالوا : حدثنا القعنبي ، قال : ثنا هشام بن سعد ، عن عثمان بن حيان الدمشقي ، عن أم الدرداء ، قالت : قال أبو الدرداء : "لقد رأيتنا مع رسول الله - عليه السلام - في بعض أسفاره في يوم شديد الحر حتى إن الرجل ليضع يده على رأسه لشدة الحر وما منا صائم إلا رسول الله - عليه السلام - وعبد الله بن رواحة " .

                                                حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن عاصم ، عن أبي نضرة ، عن جابر - رضي الله عنه - قال : " كنا مع رسول الله - عليه السلام - في سفر ، فمنا الصائم ومنا المفطر ، فلم يكن يعيب بعضنا على بعض " .

                                                [ ص: 357 ] حدثنا علي بن شيبة ، قال : ثنا روح بن عبادة ، قال : ثنا شعبة ، قال : سمعت قتادة يحدث ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : "كنا مع رسول الله - عليه السلام - يوم فتح مكة لتسع عشرة من رمضان ، فصام صائمون ، وأفطر مفطرون ، فلم يعب هؤلاء على هؤلاء ، ولا هؤلاء على هؤلاء " .

                                                حدثنا علي بن شيبة ، قال : ثنا روح ، قال : ثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة . . . فذكر بإسناده مثله . غير أنه قال : "لثنتي عشرة " .

                                                حدثنا علي ، قال : ثنا روح ، قال : ثنا هشام بن أبي عبد الله ، عن قتادة . . . فذكر بإسناده مثله . غير أنه قال : "لثمان عشر " .

                                                حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا وهب ، قال : ثنا هشام . . . فذكر بإسناده مثله .

                                                حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : ثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : ثنا هشام . . . فذكر بإسناده مثله . غير أنه لم يذكر فتح مكة .

                                                حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن عاصم ، عن مورق العجلي ، عن أنس قال : "خرجنا مع رسول الله - عليه السلام - في سفر ، فنزلنا في يوم شديد الحر ، فمنا الصائم ومنا المفطر ، فنزلنا منزلا في يوم حار وأكثرنا ظلا صاحب الكساء ، ومنا من يستر الشمس بيده ، فسقط الصوام ، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب ، فقال رسول الله - عليه السلام - : ذهب المفطرون بالأجر اليوم " .

                                                حدثنا يونس ، قال : ثنا ابن وهب ، أن مالكا أخبره ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك قال : "سافرنا مع رسول الله - عليه السلام - فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم " .

                                                فدل ما ذكرنا في هذه الآثار أن ما كان من إفطار رسول الله - عليه السلام - وأمره أصحابه بذلك ليس على المنع من الصوم في السفر ، وأنه على الإباحة في الإفطار .

                                                التالي السابق


                                                ش: أشار بهذا إلى حجج وبراهين أخرى لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى في رفعهم جواز الصوم للمسافر في شهر رمضان .

                                                [ ص: 358 ] وقوله : "أنا قد رأيناهم " بفتح الهمزة في محل الرفع ; لأنه اسم "كان " وخبره قوله : "من الحجة " أي : أنا قد رأينا الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا مع رسول الله - عليه السلام - يصومون في السفر بعد أن أباح لهم رسول الله - عليه السلام - الإفطار في السفر .

                                                وأخرج في ذلك آثارا تدل على أن ما كان من إفطار النبي - عليه السلام - في السفر وأمره به لأصحابه ليس على المنع من الصوم في السفر وأنه إنما هو على الإباحة في الإفطار ، وهي أحاديث أبي الدرداء وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك - رضي الله عنهم - .

                                                أما حديث أبي الدرداء فأخرجه بإسناد صحيح : عن يزيد بن سنان وربيع بن سليمان الجيزي وصالح بن عبد الرحمن ، ثلاثتهم عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود ، عن هشام بن سعد أبي عباد المدني القرشي مولى آل أبي لهب روى له الجماعة إلا البخاري ، عن عثمان بن حيان -بتشديد الياء آخر الحروف- بن معبد المزني الدمشقي مولى أم الدرداء ، روى له مسلم وابن ماجه هذا الحديث فقط ، عن أم الدرداء الصغرى هجيمة ، روى لها الجماعة ، عن أبي الدرداء عويمر بن مالك - رضي الله عنه - .

                                                وأخرجه مسلم : ثنا عبد الله بن مسلمة قال : ثنا هشام بن سعد . . . إلى آخره نحوه سواء .

                                                وأخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه .

                                                قوله : "لقد رأيتنا " بضم التاء ; أي : لقد رأيت أنفسنا .

                                                قوله : "ليضع يده " بفتح اللام ; لأنها للتأكيد .

                                                [ ص: 359 ] وأما حديث جابر فأخرجه أيضا بإسناد صحيح : عن محمد بن عمرو بن يونس التغلبي ، عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير روى له الجماعة ، عن عاصم بن سليمان الأحول روى له الجماعة ، عن أبي نضرة -بفتح النون وسكون الضاد المعجمة - المنذر بن مالك العبدي ثم العوفي البصري روى له الجماعة ، البخاري مستشهدا .

                                                وأخرجه النسائي : أخبرني أيوب بن محمد ، قال : نا مروان ، قال : نا عاصم ، عن أبي نضرة المنذر ، عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله : " أنهما سافرا مع رسول الله - عليه السلام - فيصوم الصائم ، ويفطر المفطر ، ولا يعيب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم " .

                                                وأخرجه النسائي من وجوه مختلفة . وأخرجه مسلم نحوه .

                                                وأما حديث أبي سعيد فأخرجه من خمس طرق صحاح :

                                                الأول : عن علي بن شيبة ، عن روح بن عبادة . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه مسلم بوجوه مختلفة فقال : ثنا هداب بن خالد ، قال : ثنا همام بن يحيى ، قال : ثنا قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : " غزونا مع رسول الله - عليه السلام - لست عشرة مضت من رمضان ، فمنا من صام ، ومنا من أفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم " .

                                                ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن التميمي .

                                                وثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا ابن مهدي ، قال : ثنا شعبة .

                                                وقال ابن مثنى : ثنا أبو عامر ، قال : ثنا هشام .

                                                وقال ابن مثنى : ثنا سالم بن نوح ، قال : ثنا عمر - يعني : ابن عامر .

                                                وثنا أبو بكر بن أبي شيبة ،

                                                [ ص: 360 ] قال : ثنا محمد بن بشر ، عن سعيد ، كلهم عن قتادة . . . بهذا الإسناد ونحو حديث همام ، غير أن في حديث التيمي وعمر بن عامر وهشام : "لثمان عشرة خلت " ، وفي حديث سعيد : "في ثنتي عشرة " ، وفي حديث شعبة : "لسبع عشرة أو تسع عشرة " .

                                                قلت : هذا اختلاف كما ترى ، والذي قاله أصحاب السير : أن خروج النبي - عليه السلام - لغزو مكة كان لعشر خلون من رمضان ، ودخوله مكة في تسع عشرة ، والله أعلم .

                                                الثاني : عن علي أيضا ، عن روح أيضا ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد .

                                                وأخرجه مسلم : من حديث سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، كما ذكرناه .

                                                الثالث : عن علي أيضا ، عن روح أيضا ، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ، عن قتادة . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه مسلم أيضا نحوه ، وقد ذكرناه الآن .

                                                الرابع : عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن وهب بن جرير ، عن هشام الدستوائي ، عن قتادة . . . إلى آخره .

                                                الخامس : عن محمد بن خزيمة بن راشد ، عن مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب شيخ البخاري وأبي داود ، عن هشام الدستوائي ، عن قتادة . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه أحمد نحوه .

                                                وأما حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - فأخرجه من طريقين صحيحين :

                                                الأول : عن محمد عمرو بن يونس التغلبي ، عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير ، عن عاصم بن سليمان الأحول ، عن مورق بن مشمرج العجلي البصري - ويقال : الكوفي ، روى له الجماعة .

                                                [ ص: 361 ] وأخرجه مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : ثنا أبو معاوية . . . إلى آخره نحوه سواء ، غير أن في لفظه : "ومنا من يتقي الشمس بيده " .

                                                وأخرجه البخاري والنسائي أيضا .

                                                الثاني : عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه البخاري : ثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك قال : " كنا نسافر مع النبي - عليه السلام - فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم " .

                                                وأخرجه مسلم : ثنا يحيى بن يحيى ، قال : أنا أبو خيثمة ، عن حميد ، قال : "سئل أنس عن صوم رمضان في السفر ، فقال : سافرنا مع رسول الله - عليه السلام - في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم " .

                                                وأخرجه أبو داود : ثنا أحمد بن يونس ، قال : نا زائدة ، عن حميد الطويل ، عن أنس قال : "سافرنا مع رسول الله - عليه السلام - في رمضان فصام بعضنا وأفطر بعضنا ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم " .

                                                وأخرجه مالك في "موطإه " .

                                                وقال أبو عمر : هذا حديث متصل صحيح ، وبلغني عن ابن وضاح أنه كان يقول : إن مالكا لم يتابع عليه في لفظه ، وزعم أن غيره يرويه عن حميد ، عن أنس أنه قال : "كان أصحاب رسول الله - عليه السلام - يسافرون ، فيصوم بعضهم ويفطر بعضهم ، فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم " . ليس فيه ذكر رسول الله - عليه السلام -

                                                [ ص: 362 ] ولا أنه كان يشاهدهم في حالهم هذه ، وقد تابع مالكا على هذا جماعة من الحفاظ ، منهم : أبو إسحاق الفزاري وأبو ضمرة أنس بن عياض ومحمد بن عبد الله الأنصاري وعبد الوهاب الثقفي ، كلهم رووه عن حميد ، عن أنس بمعنى حديث مالك : "سافرنا مع رسول الله - عليه السلام - " .

                                                وما أعلم أحدا روى حديث أنس هذا على ما قال ابن وضاح إلا ما رواه محمد بن مسعود ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن حميد ، عن أنس .

                                                قوله : "فضربوا الأبنية " جمع بناء ، وهي الخباء التي تضرب .

                                                قوله : "وسقوا الركاب " بكسر الراء وتخفيف الكاف ، وهي الرواحل من الإبل ، وتجمع على ركب -بضمتين- ويقال : الركاب جمع راحلة وليس لها واحد من لفظها ، كالنساء جمع امرأة .




                                                الخدمات العلمية