الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3124 3125 ص: ثم قد روي في غير هذه الآثار التي ذكرنا عن النبي - عليه السلام - ما يوافق ذلك أيضا ، فمن ذلك : ما حدثنا ابن أبي داود ، قال : ثنا مسدد ، قال : ثنا حماد بن زيد ،

                                                [ ص: 212 ] عن النعمان بن راشد ، عن الزهري ، عن ثعلبة بن أبي صعير ، عن أبيه قال : قال رسول الله - عليه السلام - : " صاع من بر أو قمح عن كل اثنين ، حر أو عبد ، ذكر أو أنثى ، أما غنيكم فيزكيه الله ، وأما فقيركم فيرد عليه ما أعطى " .

                                                حدثنا علي بن عبد الرحمن ، قال : ثنا عفان ، قال : ثنا حماد بن زيد ، عن النعمان بن راشد ، عن الزهري ، عن ثعلبة بن أبي صعير ، عن أبيه ، قال : قال النبي - عليه السلام - : "أدوا زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير ، أو نصف صاع بر -أو قال : قمح- عن كل إنسان صغير أو كبير ، ذكر أو أنثى ، حر أو مملوك ، غني أو فقير " .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي : ثم قد روي في غير هذه الأحاديث -وهي التي رواها عن أسماء بنت أبي بكر الصديق وأبي سعيد وعبد الله بن عمر - ما يوافق ذلك في أن صدقة الفطر من القمح نصف صاع ، فمن ذلك : ما أخرجه عن ثعلبة بن أبي صعير من طريقين :

                                                الأول : عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري ، عن حماد بن زيد روى له الجماعة ، عن النعمان بن راشد الجزري الرقي روى له الجماعة البخاري مستشهدا ، عن محمد بن مسلم الزهري روى له الجماعة ، عن ثعلبة بن أبي صعير -بضم الصاد وفتح العين المهملتين وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء مهملة - هو وأبوه صحابيان .

                                                وأخرجه أبو داود : ثنا مسدد وسليمان بن داود العتكي ، قالا : ثنا حماد بن زيد ، عن النعمان بن راشد ، عن الزهري -قال مسدد : عن ثعلبة بن أبي صعير ، عن أبيه [وقال سليمان بن داود : عن عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " صاع من بر أو قمح عن كل اثنين صغير أو كبير ، حر أو عبد ، ذكر أو أنثى ، أما غنيكم فيزكيه الله ، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه " .

                                                [ ص: 213 ] الثاني : عن علي بن عبد الرحمن بن المغيرة ، عن عفان بن مسلم الصفار البصري روى له الجماعة ، عن حماد بن زيد . . . إلى آخره .

                                                وهذا الحديث له وجوه :

                                                الأول : رواية بكر بن وائل

                                                أخرجها أبو داود : ثنا علي بن الحسن الدرابجردي ، نا عبد الله بن يزيد نا همام ، نا بكر -هو ابن وائل- عن الزهري ، عن ثعلبة بن عبد الله -أو قال : عبد الله بن ثعلبة - عن النبي - عليه السلام - .

                                                ثنا ابن يحيى النيسابوري ، نا موسى بن إسماعيل ، نا همام ، عن بكر الكوفي -قال ابن يحيى : هو بكر بن وائل بن داود - أن الزهري حدثهم عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير ، عن أبيه قال : "قام رسول الله - عليه السلام - خطيبا ، فأمر بصدقة الفطر صاع تمر أو صاع شعير على كل رأس -زاد علي في حديثه : أو صاع بر أو قمح بين اثنين ثم اتفقا- : عن الصغير والكبير والحر والعبد " .

                                                الثاني : رواية النعمان بن راشد عن الزهري ، وهي التي أخرجها الطحاوي وأبو داود أيضا .

                                                وأخرجه الدارقطني أيضا : عن إسحاق بن أبي إسرائيل ، عن حماد بن زيد به مرفوعا : "أدوا صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير ، أو نصف صاع من بر . . . " إلى آخره .

                                                ثم أخرجه : عن يزيد بن هارون ، عن حماد بن زيد به ، قال : "أدوا عن كل إنسان صاعا من بر ، عن الصغير والكبير والذكر والأنثى والغني والفقير . . . " إلى آخره .

                                                [ ص: 214 ] ثم أخرجه : عن سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد به ، عن ثعلبة بن أبي صعير ، عن أبيه بنحو رواية يزيد بن هارون .

                                                ثم أخرجه عن خالد بن خداش ، عن حماد بن زيد ، وقال بهذا الإسناد نحوه .

                                                الثالث : رواية يحيى بن جرجة ، عن الزهري .

                                                أخرجها الدارقطني أيضا : عنه عن الزهري ، عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير : "أن رسول الله - عليه السلام - خطب فقال : إن صدقة الفطر مدان من بر عن كل إنسان ، أو صاع مما سواه من الطعام " .

                                                ويحيى بن جرجة روى عنه ابن جريج .

                                                وقزعة بن سويد ، قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه فقال : هو شيخ . وقال الدارقطني : ليس بقوي .

                                                الرابع : رواية ابن جريج عن الزهري .

                                                رواه عبد الرزاق في "مصنفه " : أنا ابن جريج ، عن ابن شهاب ، عن عبد الله بن ثعلبة قال : "خطب رسول الله - عليه السلام - الناس قبل الفطر بيوم أو يومين فقال : أدوا صاعا من بر أو قمح بين اثنين ، أو صاعا من تمر أو شعير عن كل حر وعبد صغير وكبير " .

                                                ومن طريق عبد الرزاق رواه الدارقطني في "سننه " والطبراني في "معجمه " .

                                                وهذا سند صحيح قوي .

                                                الخامس : رواية بحر بن كنيز السقاء ، عن الزهري .

                                                [ ص: 215 ] أخرجه الحكم في "المستدرك " في كتاب الفضائل : عن بحر بن كنيز ، ثنا الزهري ، عن عبد الله بن ثعلبة ، عن أبيه ، عن النبي - عليه السلام - : "أنه فرض صدقة الفطر عن الصغير والكبير صاعا من تمر أو مدين من قمح " .

                                                وسكت عنه ، ثم قال : وقد رواه أكثر أصحاب الزهري عنه عن عبد الله بن ثعلبة عن النبي - عليه السلام - ، لم يذكروا أباه .

                                                وقال الدارقطني في "علله " : هذا حديث اختلف في إسناده ومتنه .

                                                أما سنده فرواه الزهري واختلف عليه فيه ، فرواه النعمان بن راشد عنه عن ثعلبة بن أبي صعير .

                                                وقيل : عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن ابن أبي صعير ، عن أبي هريرة .

                                                وقيل : عن سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة .

                                                وقيل : عن عقيل ويونس ، عن الزهري ، عن سعيد مرسلا .

                                                ورواه معمر ، عن الزهري ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة .

                                                وأما اختلاف متنه ففي حديث سفيان بن حسين عن الزهري : "صاع من قمح " ، وكذلك في حديث النعمان بن راشد ، عن الزهري ، عن ثعلبة بن أبي صعير ، عن أبيه : "صاع من قمح عن كل إنسان " ، وفي حديث الباقين : "نصف صاع من قمح " ، قال : وأصحها : عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب مرسل انتهى .

                                                وقال الشيخ في "الإمام " : وحاصل ما تعلل به هذا الحديث أمران :

                                                أحدهما : الاختلاف في اسم ابن أبي صعير فقد تقدم من جهة أبي داود عن مسدد : ثعلبة بن أبي صعير .

                                                [ ص: 216 ] ومن جهته أيضا عن سليمان بن داود : عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير ، أو ثعلبة ابن عبد الله بن أبي صعير ، وكذلك أيضا عند أبي داود في رواية بكر بن وائل : ثعلبة بن عبد الله ، أو قال : عبد الله بن ثعلبة على الشك .

                                                وعنده أيضا من رواية محمد بن يحيى ، وفيه الجزم بعبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير ، وكذلك رواية ابن جريج .

                                                وعند الدارقطني من رواية مسدد : عن ابن أبي صعير عن أبيه لم يسمه .

                                                ثم أخرجه الدارقطني عن همام ، عن بكر ، أن الزهري حدثه ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير ، عن أبيه قال نحوه -يعني نحو حديث مسدد - فإنه ذكره عقيبه ، وهذا يحتاج إلى نظرة فإنه ذكره من رواية مسدد ، عن حماد بن زيد ، عن النعمان بن راشد ، عن الزهري ، عن ابن أبي صعير ، عن أبيه مرفوعا : "صدقة الفطر صاع من بر أو قمح عن كل رأس " كذا في النسخة العتيقة الصحيحة ورواية أبي داود عن مسدد فيها : "أدوا صاعا من بر أو قمح عن كل اثنين " . وهذا مخالف للأول ، والله أعلم .

                                                وفي رواية سليمان بن حرب ، عن حماد : الجزم بثعلبة بن أبي صعير ، عن أبيه ، عند الدارقطني ، والجزم بعبد الله بن ثعلبة في رواية بحر بن كنيز كما تقدم عند الحاكم ، والشك في رواية يزيد بن هارون ، عن حماد فيها : عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير أو عن ثعلبة عن أبيه ، عند الدارقطني .

                                                العلة الثانية : الاختلاف في اللفظ ; ففي حديث سليمان بن حرب عند الدارقطني عن حماد بن زيد ، عن النعمان بن راشد ، عن ثعلبة بن أبي صعير ، عن أبيه مرفوعا "أدوا صاعا من قمح . . . " الحديث .

                                                ثم أتبعه الدارقطني برواية خالد بن خداش ، عن حماد بن زيد ، قال : بهذا الإسناد مثله .

                                                [ ص: 217 ] وقد تقدم من رواية أبي داود عن مسدد : "صاع من بر أو قمح على كل اثنين " .

                                                وأخرجه الدارقطني : عن أحمد بن داود المكي ، عن مسدد ، ثنا حماد بن زيد به ، عن ابن ثعلبة بن أبي صعير ، عن أبيه مرفوعا : "أدوا صدقة الفطر صاعا من تمر أو قمح عن كل رأس . . . " الحديث .

                                                وفي رواية بكر بن وائل قيل : "عن كل رأس " ، وذكر البيهقي عن محمد بن يحيى الذهلي أنه قال في كتاب "العلل " : إنما هو عبد الله بن ثعلبة وإنما هو عن كل إنسان أو كل رأس ، هكذا رواية بكر بن وائل ، لم يقم الحديث غيره ، قد أصاب الإسناد والمتن .

                                                قال الشيخ : ويمكن أن تحرف "رأس " إلى "اثنين " ، ولكن يبعد هذا بعض الروايات كالرواية التي فيها : "صاع بر أو قمح بين كل اثنين " . انتهى .

                                                وقال صاحب "تنقيح التحقيق " بعد ذكره هذا الاختلاف : وقد روي على الشك في الاثنين .

                                                قال أحمد بن حنبل : ثنا عفان قال : سألت حماد بن زيد عن صدقة الفطر ، فحدثني عن النعمان بن راشد ، عن الزهري ، عن ابن ثعلبة بن أبي صعير ، عن أبيه ، أن رسول الله - عليه السلام - قال : "أدوا صاعا من قمح أو صاعا من بر -وشك حماد - : عن كل اثنين ، صغير أو كبير ، ذكر أو أنثى ، حر أو مملوك ، غني أو فقير ، أما غنيكم فيزكيه الله ، وأما فقيركم فيرد عليه أكثر مما يعطي " . انتهى .

                                                ثم قال : قال مهنا : ذكرت لأحمد حديث ثعلبة بن أبي صعير في صدقة الفطر : "نصف صاع من بر " ، فقال : ليس بصحيح ، إنما هو مرسل ، يرويه معمر وابن جريج عن الزهري مرسلا .

                                                [ ص: 218 ] قلت : من قبل من هذا ؟ قال : من قبل النعمان بن راشد وليس بالقوي في الحديث ، وضعف حديث ابن أبي صعير ، وسألته عن ابن أبي صعير أهو معروف ؟ فقال : ومن يعرف ابن أبي صعير ؟ ! ليس هو بمعروف .

                                                وذكر أحمد وابن المديني ابن أبي صعير فضعفاه جميعا .

                                                وقال ابن عبد البر : ليس دون الزهري من تقوم به الحجة .

                                                والنعمان بن راشد قال معاوية عن ابن معين : ضعيف ، وقال عباس عنه : ليس بشيء . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه : مضطرب الحديث . وقال البخاري : في حديثه وهم كثير وهو في الأصل صدوق .

                                                وقال ابن حزم في "المحلى " : والنعمان بن راشد ضعيف كثير الغلط .

                                                وهذا الحديث راجع إلى رجل مجهول الحال مضطرب عنه يختلف في اسمه : مرة عبد الله بن ثعلبة ، ومرة ثعلبة بن عبد الله ، ولا خلاف أن الزهري لم يلق ثعلبة بن أبي صعير ، وليس لعبد الله بن ثعلبة صحبة . انتهى .

                                                قلت : ثعلبة بن عبد الله بن صعير ، ويقال : ثعلبة بن صعير ، ويقال : ابن أبي صعير ، ويقال : عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري عداده في الصحابة .

                                                وفي "التهذيب " : عبد الله بن صعير هو عبد الله بن ثعلبة بن صعير ، ويقال : ابن أبي صعير بن عمرو بن زيد بن سنان العذري ، حليف بني زهرة يكنى أبا محمد ، مسح رسول الله - عليه السلام - رأسه زمن الفتح ودعا له ، وحفظ عنه .

                                                روى عن أبيه ، قيل : إنه ولد قبل الهجرة بأربع سنين ، وتوفي سنة سبع وثمانين وهو ابن ثلاث وتسعين .

                                                وأما النعمان بن راشد فإن الجماعة قد أخرجوا له ، البخاري مستشهدا وقال : صدوق . وقال ابن عدي : النعمان بن راشد قد احتمله الناس ، روى عنه الثقات مثل حماد بن زيد وجرير بن حازم ووهيب بن خالد ، وغيرهم من الثقات ، وله نسخة عن الزهري ، لا بأس به ، والله أعلم .

                                                [ ص: 219 ] قوله : "صاع " مرفوع بالابتداء وتخصص بالصفة ، وهي قوله : "من بر " ، وخبره قوله : "عن كل اثنين " .

                                                قوله : "فيزكيه الله " أي : يطهره الله من وسخ الآثام ، أو معناه : يزيده الله بركة في ماله ; لأن معنى الزكاة : النماء ، وهي الزيادة ، يقال : زكى الزرع إذا نمى .

                                                قوله : "فيرد عليه ما أعطى " معناه : يجازيه الله تعالى في الدنيا بأن يرد عليه أكثر مما أعطاه ، وفي الآخرة بالثواب الجزيل .

                                                ويستفاد منه أحكام :

                                                الأول : فيه دلالة ظاهرة على أن صدقة الفطر من الحنطة : نصف صاع .

                                                الثاني : فيه رد على أهل الظاهر حيث منعوا جواز الحنطة في صدقة الفطر .

                                                الثالث : فيه دليل أن الواجب على الصغير والكبير والحر والعبد .

                                                الرابع : قال الخطابي : فيه بيان أن الفقير تلزمه صدقة الفطر إذا وجد ما يؤديه ، ألا تراه يقول : "وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه " ، فقد أوجب عليه أن يؤديها عن نفسه مع إجازته له أن يأخذ صدقة غيره .

                                                قلت : فيه نظر ; لأن اللفظ ليس فيه ما يدل على أنها تجب على الفقير ، بل معناه أن الفقير إذا تبرع بها ابتغاء لمرضاة الله تعالى ، فإن الله يجازيه في الدنيا بأن يرد عليه أكثر مما أعطاه ، وفي الآخرة بالثواب الجزيل .

                                                الخامس : قال الخطابي : وفي قوله : "ذكر أو أنثى " دليل لمن أسقط صدقة الزوجة عن الزوج ; لأنه في الظاهر إيجاب على المرأة ، فلا يزول الفرض عنها إلا بدليل ، وهو مذهب أصحاب الرأي والثوري .

                                                وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق : يخرج عن زوجته لأنه يمونها .




                                                الخدمات العلمية