الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3148 3149 3150 3151 3152 3153 3154 3155 3156 3157 ص: وكان من الحجة عليهم لأهل المقالة الأولى : أن حديث عروة عن عائشة إنما فيه ذكر الفرق الذي كان يغتسل منه رسول الله - عليه السلام - وهي ، ولم يذكر مقدار الماء الذي كان يكون فيه ، هل هو ملؤه أو أقل من ذلك ؟ فقد يجوز أن يكون كان يغتسل هو وهي بملئه ، ويجوز أن يكون كان يغتسل هو وهي بأقل من ملئه ، فما هو صاعان فيكون كل واحد منهما مغتسلا بصاع من ماء ، ويكون معنى هذا الحديث موافقا لمعاني الأحاديث

                                                [ ص: 240 ] التي رويت عن رسول الله - عليه السلام - أنه كان يغتسل بصاع ; فإنه قد روي عنه في ذلك ما حدثنا فهد ، قال : ثنا محمد بن سعيد ، قال : ثنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن حجاج ، عن إبراهيم ، عن صفية بنت شيبة ، عن عائشة قالت : " كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع " .

                                                حدثنا فهد ، قال : ثنا الحماني ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، عن رسول الله - عليه السلام - مثله .

                                                حدثنا فهد ، قال : ثنا الحماني ، قال : ثنا أبو الأحوص ، عن مسلم ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عائشة قالت : "كان رسول الله - عليه السلام - يغتسل بالصاع " .

                                                حدثنا أحمد بن داود ، قال : ثنا هدبة بن خالد ، قال : ثنا همام ، عن قتادة ، عن صفية بنت شيبة ، عن عائشة : "أن رسول الله - عليه السلام - كان يغتسل بقدر الصاع ، ويتوضأ بقدر المد " .

                                                حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : ثنا مسلم ، قال : ثنا أبان ، عن قتادة ، عن صفية بنت شيبة ، عن عائشة قالت : "كان رسول الله - عليه السلام - يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد " .

                                                حدثنا علي بن معبد ، قال : ثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة . . . فذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : "بالمد ونحوه " .

                                                حدثنا محمد بن العباس بن الربيع ، قال : ثنا أسد ، قال : ثنا المبارك بن فضالة ، قال : حدثني أبي ، عن معاذة ، عن عائشة - رضي الله عنها- قالت : كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع .

                                                حدثنا أبو أمية ، قال : ثنا حيوة بن شريح ، قال : ثنا بقية ، عن عتبة بن أبي حكيم ، قال : حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر بن عتيك قال : "سألنا أنسا عن الوضوء الذي يكفي الرجل من الماء ، فقال كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ من مد فيسبغ الوضوء ، وعسى أن يفضل منه ، قال : وسألناه عن الغسل من الجنابة كم يكفي من الماء ؟ قال : الصاع . فسألت أعن النبي - عليه السلام - ذكر الصاع ؟ قال : نعم مع المد " .

                                                [ ص: 241 ] حدثنا ربيع المؤذن ، قال : ثنا أسد ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر بن عبد الله قال : "كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع " .

                                                حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا مسدد ، قال : ثنا بشر ، قال : ثنا أبو ريحانة ، عن سفينة مولى أم سلمة - رضي الله عنهما - قال : "كان رسول الله - عليه السلام - يغسله الصاع من الماء ويوضيه المد " .

                                                ففي هذه الآثار : أن رسول الله - عليه السلام - كان يغتسل بصاع وليس فيه مقدار وزن الصاع كم هو ؟ وفي حديث مجاهد عن عائشة : ذكر ما كان يغتسل به وهو ثمانية أرطال .

                                                وفي حديث عروة عن عائشة أنها كانت تغتسل هي ورسول الله - عليه السلام - من إناء هو الفرق . ففي هذا الحديث ذكر ما كانا يغتسلان منه خاصة ، وليس فيه ذكر مقدار الماء الذي كانا يغتسلان به ، وفي الآثار الأخر ذكر مقدار الماء الذي كان يغتسل به ، وأنه كان صاعا .

                                                فثبت بذلك لما صححت هذه الآثار وجمعت وكشفت معانيها ، أنه كان يغتسل من إناء هو الفرق ، وبصاع وزنه ثمانية أرطال ، فثبت بذلك ما ذهب إليه أبو حنيفة ، وقد قال بذلك أيضا محمد بن الحسن .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي : وكان من الحجة والبرهان عليهم ، أي على أهل المقالة الثانية لأهل المقالة الأولى ، وأراد بذلك الجواب عما استدلوا به ، بيان ذلك : أن حديث عروة عن عائشة ليس فيه إلا ذكر الفرق الذي كان النبي - عليه السلام - وعائشة يغتسلان منه ، ولم يذكر فيه مقدار الماء الذي كان فيه ، هل كان ملء الفرق أو أقل منه ؟ فهذا يحتمل أمرين :

                                                أحدهما : أن يكونا قد اغتسلا منه وهو ملآن .

                                                والآخر : أن يكونا قد اغتسلا منه بأقل من ملئه بما هو صاعان فيكون كل واحد منهما مغتسلا بصاع من ماء ، فحينئذ يكون معنى هذا الحديث موافقا لمعاني الأحاديث الأخر التي فيها أنه كان يغتسل بصاع ، فإنه روي ذلك في حديث عائشة أيضا وحديث أنس وحديث جابر بن عبد الله وحديث سفينة مولى النبي - عليه السلام - على ما نذكره ، وقد ذكر في أحاديثهم أنه - عليه السلام - كان يغتسل بصاع ، ولكن لم يبين فيها

                                                [ ص: 242 ] مقدار وزن الصاع كم هو ، وذكر في حديث مجاهد عن عائشة المذكور في أول الباب أنه كان يغتسل بثمانية أرطال ، وذكر في حديث عروة عن عائشة أنها قالت : "كنت أغتسل أنا ورسول الله - عليه السلام - من إناء واحد من قدح يقال له : الفرق " والمذكور فيه ما كانا يغتسلان منه فقط ، وليس فيه بيان المقدار الذي اغتسلا منه ، وفي الأحاديث الأخر ذكر مقدار الماء الذي كان - عليه السلام - يغتسل به وهو الصاع .

                                                فتصحيح معاني هذه الآثار يقتضي أنه كان يغتسل من إناء هو الفرق ، وبصاع وزنه ثمانية أرطال ، وهذا خفاء فيه ، فإذا كان كذلك يثبت به ما ذهب إليه أهل المقالة الأولى ، والله أعلم .

                                                ثم إنه أخرج حديث عائشة - رضي الله عنها - من سبع طرق :

                                                الأول : عن فهد بن سليمان ، عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري ، عن عبد الرحيم بن سليمان الأشل الطائي ، عن حجاج بن أرطاة النخعي الكوفي القاضي ، عن إبراهيم بن المهاجر البجلي ، عن صفية بنت شيبة الحاجب ، المختلف في صحبتها ، عن عائشة - رضي الله عنها - .

                                                وهذا إسناد صحيح ، ورجاله رجال الصحيح ما خلا فهدا .

                                                الثاني : عن فهد أيضا ، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني ، عن سفيان بن عيينة ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن عروة ، عن عائشة . . . إلى آخره .

                                                وهذا أيضا صحيح .

                                                الثالث : عن فهد أيضا ، عن يحيى الحماني أيضا ، عن أبي الأحوص سلام بن سليم ، عن مسلم بن كيسان الضبي الملائي البراد الكوفي الأعور ، عن إبراهيم النخعي ، عن علقمة بن قيس ، عن عائشة .

                                                وهذا معلول بمسلم بن كيسان ; فإنه ضعيف ، فقال أحمد : لا شيء . وقال أبو زرعة : ضعيف الحديث . وقال البخاري : ذاهب الحديث . وقال

                                                [ ص: 243 ] النسائي : متروك . وقال ابن حبان : اختلط في آخر عمره فكان لا يدري ما يحدث به .

                                                الرابع : عن أحمد بن داود المكي ، عن هدبة بن خالد شيخ الشيخين وأبي داود ، عن همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن صفية بنت شيبة ، عن عائشة .

                                                وهذا إسناد صحيح .

                                                وأخرجه أبو يعلى في "مسنده " : ثنا هدبة ، نا همام ، نا قتادة ، عن صفية بنت شيبة ، عن عائشة قالت : " كان رسول الله - عليه السلام - يغتسل بقدر الصاع ويتوضأ بقدر المد " .

                                                الخامس : عن محمد بن خزيمة بن راشد ، عن مسلم بن إبراهيم القصاب شيخ البخاري وأبي داود ، عن أبان بن يزيد العطار ، عن قتادة ، عن صفية بنت شيبة ، عن عائشة .

                                                وهذا أيضا صحيح .

                                                وأخرجه أبو داود : ثنا محمد بن كثير ، قال : أنا همام ، عن قتادة ، عن صفية بنت شيبة ، عن عائشة "أن النبي - عليه السلام - كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد " .

                                                قال أبو داود : رواه أبان ، عن قتادة ، قال : سمعت صفية .

                                                وأخرجه البيهقي : من رواية عفان ، عن أبان ، عن قتادة ، حدثتني صفية .

                                                وأخرجه الدارقطني : من رواية معاذ بن هشام ، عن أبيه ، عن قتادة ; وقال : "بنحو المد ونحو الصاع " .

                                                السادس : عن علي بن معبد بن نوح المصري ، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن صفية بنت شيبة ، عن عائشة .

                                                [ ص: 244 ] وهذا أيضا صحيح .

                                                وأخرجه أحمد في "مسنده " : ثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن صفية ابنة شيبة ، عن عائشة : "أن النبي - عليه السلام - كان يغتسل بالصاع ، ويتوضأ بالمد أو نحوه " .

                                                السابع : عن محمد بن العباس بن الربيع الغبري البصري ، عن أسد بن موسى ، عن المبارك بن فضالة وثقه ابن حبان وضعفه أحمد ، وقال العجلي : لا بأس به . وقال أبو داود : كان شديد التدليس ، وهو يروي عن أبيه فضالة بن أبي أمية القرشي العدوي وثقه ابن حبان ، عن معاذة بنت عبد الله العدوية البصرية أم الصهباء ، روى لها الجماعة .

                                                وأخرج حديث أنس - رضي الله عنه - عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي ، عن حيوة بن شريح بن يزيد الحضرمي الحمصي شيخ البخاري وأبي داود ، عن بقية بن الوليد الحمصي ، قال في "الميزان " : كان مدلسا ، فإذا قال : "عن " فليس بحجة .

                                                وقال ابن عدي : إذا روى عن أهل الشام فهو ثبت .

                                                وقال العجلي : ثقة فيما روى عن المعروفين ، وما روى عن المجهولين فليس بشيء ، استشهد به البخاري ، وروى له مسلم في المتابعات ، واحتج به الأربعة .

                                                عن عتبة بن أبي حكيم الهمداني الشامي الأردني الطبراني ، وثقه ابن حبان ، وقال النسائي : ضعيف . وعنه : ليس بالقوي . وعن يحيى : ثقة . وعنه : ضعيف . روى له الأربعة .

                                                عن عبد الله بن عبد الله بن جبر -بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة - بن عتيك ، ويقال : جابر بن عتيك الأنصاري المدني ، روى له الجماعة .

                                                وأخرج البخاري : عن أبي نعيم ، ثنا مسعر ، قال : حدثني ابن جبر ، قال :

                                                [ ص: 245 ] سمعت أنسا يقول : "كان النبي - عليه السلام - يغسل -أو يغتسل- بالصاع إلى خمسة أمداد ، ويتوضأ بالمد " .

                                                وأخرجه مسلم : عن قتيبة بن سعيد ، قال : ثنا وكيع ، عن مسعر ، عن ابن جبر ، عن أنس قال : "كان النبي - عليه السلام - يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد " .

                                                وأخرجه أبو داود : عن محمد بن الصباح البزاز ، قال : أنا شريك ، عن عبد الله بن عيسى ، عن عبد الله بن عبد الله بن جبر ، عن أنس قال : "كان النبي - عليه السلام - يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع " .

                                                وأخرج حديث جابر بن عبد الله : عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي ، عن أسد بن موسى ، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري ، عن يزيد بن أبي زياد القرشي الكوفي ، فيه مقال ; فعن أحمد : لم يكن بالحافظ . وعن يحيى : لا يحتج بحديثه . وعنه : ليس بالقوي . وعنه : ضعيف الحديث . وقال العجلي : جائز الحديث ، روى له مسلم مقرونا بغيره ، واحتج به الأربعة .

                                                عن سالم بن أبي الجعد رافع الأشجعي روى له الجماعة ، عن جابر بن عبد الله .

                                                وأخرجه أبو داود : ثنا أحمد بن محمد بن حنبل ، قال : ثنا هشيم ، قال : ثنا يزيد بن أبي زياد ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر قال : "كان النبي - عليه السلام - يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد " .

                                                قلت : انفرد به أبو داود عن بقية الستة .

                                                ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه بهذا الطريق .

                                                [ ص: 246 ] وأخرجه الحاكم في "مستدركه " بهذا اللفظ : عن طريق محمد بن الفضل ، عن الحصين ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر .

                                                قال : النووي : حديث جابر ضعيف ; فيه يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف . وقال المنذري : لا يحتج به .

                                                قلت : قد تابعه عليه حصين كما رواه الحاكم ، فيكون حديثه حسنا بالمتابعة ، على أن يزيد لم ينسب للكذب ولا للفسق ولا فحش خطؤه .

                                                فإن قيل : فيه سالم بن أبي الجعد وهو مدلس كما قال الذهبي ، وقد عنعن .

                                                قلت : لعل أبا داود اطلع على تصريحه بسماعه من جابر ; فلذلك سكت عليه حين أخرجه .

                                                وأخرج حديث سفينة مولى أم سلمة ، وهو مولى رسول الله - عليه السلام - ولكنه كان عبدا لأم سلمة زوج النبي - عليه السلام - فأعتقته وشرطت عليه أن يخدم رسول الله - عليه السلام - حياته .

                                                وقد اختلف في اسمه فقيل : بحران ، وقيل : رومان ، وقيل : قيس ، وقيل : شنبة ابن مارفنة من أبناء فارس .

                                                عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود ، عن بشر بن المفضل ، عن أبي ريحانة عبد الله بن مطر البصري ، عن سفينة .

                                                وهذا إسناد صحيح .

                                                وأخرجه مسلم : نا إبراهيم ، نا مسلم .

                                                وحدثني أبو كامل الجحدري وعمرو بن علي ، كلاهما عن بشر بن المفضل -قال أبو كامل : ثنا بشر - قال : ثنا أبو ريحانة ، عن سفينة قال : "كان رسول الله - عليه السلام - يغسله الصاع من الماء من الجنابة ويوضئه المد " .




                                                الخدمات العلمية