الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3084 ص: قال أبو جعفر رحمه الله : فذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا : لا تجب الصدقة في شيء من الحنطة والشعير والتمر والزبيب حتى تكون خمسة أوسق ، وكذلك كل شيء مما تخرج الأرض مثل الحمص والعدس والماش وما أشبه ذلك فليس في شيء منه صدقة حتى يبلغ هذا المقدار أيضا ، وممن ذهب إلى ذلك أبو يوسف ومحمد وأهل المدينة .

                                                التالي السابق


                                                ش: أراد بالقوم هؤلاء : الحسن البصري وابن سيرين وسعيد بن المسيب والثوري ومالكا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا يوسف ومحمدا ; فإنهم قالوا : لا تجب الصدقة -أي الزكاة- في شيء من الحنطة ونحوها من الحبوب ، وفي التمر والزبيب حتى تكون خمسة أوسق ، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة .

                                                [ ص: 148 ] وقال أبو عمر بن عبد البر : قوله - عليه السلام - : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " يقتضي نفي وجوب الزكاة عما دون خمسة أوسق ، ويقتضي وجوبها في هذا المقدار فما فوقه ، والخمسة الأوسق عندنا بالكيل القرطبي : خمسة وعشرون قفيزا على حساب ثمانية وأربعين .

                                                هذا وإن كان القفيز اثنين وأربعين مدا كما زعم جماعة من الشيوخ عندنا فهي ثمانية وعشرون قفيزا ونصف قفيز وأربعة أسباع قفيز وزن جميعها ثلاثة وخمسون ربعا وثلث ربع كل ربع منها من ثلاثين رطلا .

                                                فهذا هو المقدار الذي لا تجب الزكاة فيما دونه وتجب فيما فوقه كيلا ; لأن الحديث إنما نبه على الكيل .

                                                وهذا إجماع من العلماء أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق إلا أبا حنيفة وزفر ورواية عن بعض التابعين ; فإنهم قالوا : الزكاة في كل ما أخرجته الأرض قل ذلك أو كثر إلا الطرف والقصب الفارسي والحشيش والحطب .

                                                وأجمع العلماء كلهم من السلف والخلف على أن الزكاة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، واختلفوا فيما سوى ذلك من الحبوب ، فقال مالك : الحبوب التي تجب فيها الزكاة : الحنطة والشعير والسلت والذرة والدخن والحمص والعدس والجلبان واللوبيا وما أشبه ذلك من الحبوب والقطاني كلها .

                                                قال : وفي الزيتون الزكاة .

                                                وقال الشافعي : كل ما يزرعه الآدميون وييبس ويدخر ويقتات مأكولا خبزا وسويقا وطبيخا ففيه الزكاة .

                                                قال : والقطاني كلها فيها الزكاة ، واختلف قوله في الزيتون ، وآخره أنه رجع إلى أنه لا زكاة فيه ; لأنه إدام . قال : وليس في الأرز والقت والقثاء وحبوب البقل والشونيز صدقة ، ولا يؤخذ من ثمر الشجر صدقة إلا في النخل والعنب ، وقال الطبري في هذا

                                                [ ص: 149 ] الباب بقول الشافعي ، ولا زكاة عنده في الزيتون ، وأجمعوا أنه لا يضاف التمر إلى الزبيب ولا إلى البر ولا الإبل إلى البقر ولا البقر إلى الغنم ، والغنم والضأن والمعز يضاف بعضها إلى بعض بإجماع .

                                                واختلفوا في ضم الذهب والورق بعضه إلى بعض في الزكاة ، فقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه والثوري : يضم أحدهما إلى الآخر فيكمل به النصاب ، إلا أن أبا حنيفة قال : يضم بالقيمة ، وكذلك قال الثوري إلا أنه قال : يضم القليل إلى الكثير بقيمة الأكثر .

                                                وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وشريك والشافعي وأصحابه وأبو ثور وأحمد وإسحاق وأبو عبيد والطبري وداود بن علي : لا يضم شيء منهما إلى صاحبه ، ويعتبرون تمام النصاب في كل واحد منهما .

                                                واختلفوا في زكاة الزيتون ، فقال الزهري والأوزاعي والليث : يخرص زيتونا ويؤخذ زيتا صافيا .

                                                وقال مالك : لا يخرص ولكن يؤخذ العشر بعد أن يعصر ، ويبلغ كيل الزيتون خمسة أوسق .

                                                وقال أبو حنيفة والثوري : تؤخذ الزكاة من حبه .

                                                وكان ابن عباس يوجب الزكاة في الزيتون ، وروي عن عمر - رضي الله عنه - ولا يصح فيه شيء ، وكان الشافعي بالعراق يقول في الزيتون [الزكاة ] ثم قال بمصر : لا أعلم الزكاة تجب في الزيتون .

                                                واتفق مالك والشافعي على أن لا زكاة في الرمان .

                                                وقال عياض : رأى أبو حنيفة إخراج الزكاة العشر ونصف العشر من كل ما أخرجت الأرض من الثمار والرياحين والخضر ونحوها إلا الحشيش ونحوه .

                                                [ ص: 150 ] ورأى الحسن والثوري وابن أبي ليلى في آخرين : أن لا زكاة إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، وذهب مالك في المشهور عنه أنها تجب في كل ما يقتات ويدخر غالبا ، ونحوه قول الشافعي وأبي ثور إلا أنهما استثنيا الزيتون .

                                                وقال ابن الماجشون من أصحابنا : تجب في ذوات الأصول كلها ، ما ادخر منها وما لم يدخر .

                                                وقال ابن حزم في "المحلى " : ولا تجب الزكاة إلا في ثمانية أصناف من الأموال فقط وهي : الذهب والفضة والقمح والشعير والتمر والإبل والبقر والغنم ضأنها وماعزها فقط ، ولا زكاة في شيء من الثمار ولا من الزرع ولا في شيء من المعادن غير ما ذكرنا ، ولا في الرقيق ولا في العسل ولا في عروض التجارة .

                                                وقال : واختلف السلف في كثير مما ذكرنا ، فأوجب بعضهم الزكاة فيها ولم يوجبها بعضهم ، واتفقوا في أصناف سوى هذه أنه لا زكاة فيها ، فمما اتفقوا أنه لا زكاة فيها كل ما اكتسب للقينة لا للتجارة من جوهر وياقوت ووطاء وغطاء وثياب وآنية نحاس أو حديد أو رصاص أو قزدير وسلاح وخشب ودور وضياع وبغال وحمير وصوف وحرير وغير ذلك لا يحاش شيئا .

                                                وقالت طائفة : كل ما عمل منه عصيدة أو خبز ففيه الزكاة ، وما لم يؤكل إلا بقلها فلا زكاة فيه . وهو قول الشافعي .

                                                وقال مالك : الزكاة واجبة في القمح والشعير والسلت ، وهي كلها صنف واحد .

                                                قال : وفي العلس ، وهو صنف مفرد .

                                                وقال مرة أخرى : إنه يضم إلى القمح والشعير والسلت .

                                                قال : وفي الدخن وهو صنف مفرد وفي السمسم والأرز والذرة ، وكل صنف منها منفرد لا يضم إلى غيره ، وفي الفول والحمص واللوبيا والعدس والجلبان والبسيل والترمس وسائر القطنية ، وكل ما ذكرنا فهو واحد يضم بعضه إلى بعض .

                                                [ ص: 151 ] قال : وأما في البيوع فكل صنف منها على حياله إلا الحمص واللوبيا فإنهما صنف واحد . ومرة رأى الزكاة في حب العصفر ، ومرة لم يرها فيه .

                                                وأوجب الزكاة في زيت الفجل ، ولم يرها في زريعة الكتان ولا في زيتها ولا في الكتان ولا في القطن ولا في الكرسنة ولا في الخضر كلها ، ولا في اللفت ، ورأى الزكاة في الزبيب وفي زيت الزيتون لا في حبه ، ولم يرها في شيء من الثمار ولا في تين ولا في بلوط ولا قسطل ولا رمان ولا جوز الهند ولا جوز ولا لوز ولا غير ذلك أصلا .

                                                وقال أبو حنيفة : الزكاة في كل ما أنبتت الأرض من حبوب أو ثمار أو نوار ، ولا يحاش شيئا حتى الورد والسوسن والنرجس وغير ذلك حاشا ثلاثة أشياء فقط وهي : الحطب والقصب والحشيش فلا زكاة فيها .

                                                واختلف قوله في قصب الذريرة ; فمرة رأى فيها الزكاة ، ومرة لم يرها فيها .

                                                وقال أبو يوسف ومحمد : لا زكاة في الخضر كلها ولا في الفواكه . وأوجبا الزكاة في الجوز واللوز والتين وحب الزيتون والجلوز والصنوبر والفستق والكمون والكراويا والخردل والعناب وحب البسباس ، وفي الكتان وفي زريعته أيضا ، وفي حب العصفر وفي نواره ، وفي حب القنب لا في كتانه وفي الفوة ، إذا بلغ كل صنف مما ذكرنا خمسة أوسق وإلا فلا .

                                                وأوجبا الزكاة في الزعفران والقطن والورس .

                                                واختلفا في الإجاص والبصل والثوم والحناء ، فمرة أوجبا فيها الزكاة ، ومرة أسقطاها . وأسقطا الزكاة عن خيوط القنب وعن حب القطن ، وعن البلوط والقسطل والنبق والتفاح والكمثرى والمشمش والهليلج والبطيخ والقثاء واللفت والتوت والخروب والحرف والحلبة والشونيز والكراث . انتهى .

                                                وفي "البدائع " : يجب العشر في العنب عندهما ; لأن المجفف منه يبقى من سنة إلى سنة وهو الزبيب فيخرص العنب جافا ، فإن بلغ مقدار ما يجيء منه الزبيب خمسة

                                                [ ص: 152 ] أوسق يجب في عينه العشر أو نصف العشر ، وإلا فلا شيء فيه .

                                                وروي عن محمد أن العنب إذا كان رقيقا لا يصلح للماء ولا يجيء منه الزبيب فلا شيء فيه وإن كثر .

                                                وكذا قال أبو يوسف في سائر الثمار إذا كان يجيء منها ما يبقى من سنة إلى سنة بالتجفيف أنه يخرص ذلك جافا ، فإن بلغ نصابا وجب وإلا فلا كالتين والإجاص والكمثرى والخوخ ونحو ذلك ; لأنها إذا جففت تبقى من سنة إلى سنة فكانت كالزبيب . وقال محمد : لا يجب العشر في التين والخوخ والإجاص والكمثرى والتفاح والنبق والمشمش والتوت والموز والخروب ، ويجب العشر في الجوز واللوز والفستق .

                                                وروي عن محمد أنه يجب العشر في البصل ، ولا عشر في الآس والورد والوسمة ، لأنها من الرياحين .

                                                وأما الحناء فقال أبو يوسف : فيه العشر . وقال محمد : لا عشر فيه ; لأنها من الرياحين فأشبه الآس والورد ، والعصفر والكتان إذا بلغ القرطم والحب خمسة أوسق وجب فيه العشر ، ويجب في العصفر والكتان أيضا على طريق التبع.

                                                وقالا في اللفت : إذا بلغ خمسة أوسق ففيه العشر ، وكذا حب الصنوبر ، ويجب في الكروياء والكمون والكسبرة والخردل ، ولا يجب في السعتر والشومر والحلبة ; لأنها من جملة الأدوية .

                                                وقصب السكر إذا كان مما يتخذ منه السكر ، فإذا بلغ ما يخرج منه خمسة أوسق وجب فيه العشر ، ولا شيء في البلوط ، ولا في بذر البطيخ والقثاء والخيار والرطبة ، وكل بذر لا يصلح إلا للزراعة بلا خلاف بينهما ، والله أعلم .




                                                الخدمات العلمية