الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3233 3234 ص: فإن قال قائل : إن فطر رسول الله - عليه السلام - وأمره أصحابه بذلك بعد صومه وصومهم الذي لم يكن ينهاهم عنه ناسخ لحكم الصوم في السفر أصلا .

                                                قيل له : وما دليلك على ما ذكرت في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - الذي قد ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا أنه كان يصوم مع رسول الله - عليه السلام - في السفر بعد ذلك ؟ فدل هذا الحديث على أن الصوم في السفر بعد إفطار النبي - عليه السلام - المذكور في هذه

                                                [ ص: 350 ] الآثار مباحا ، وقد قال ابن عباس - رضي الله عنهما - وهو أحد من روي عنه في إفطار النبي - عليه السلام - ما ذكرنا .

                                                ما حدثنا يونس ، قال : ثنا علي بن معبد ، قال : حدثني عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم بن مالك ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : " إنما أراد -عز وجل- بالفطر في السفر التيسير عليكم ، فمن يسر عليه الصيام فليصم ، ومن يسر عليه الفطر فليفطر " .

                                                حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا روح ، قال : ثنا شعبة ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : "إن شاء صام وإن شاء أفطر " .

                                                فهذا ابن عباس لم يجعل إفطار النبي - عليه السلام - في السفر بعد صيامه فيه ناسخا للصوم في السفر ، ولكنه جعله على جهة التيسير .

                                                التالي السابق


                                                ش: تقرير السؤال أن يقال : إن فطر رسول الله - عليه السلام - في سفره بعد صومه ، وأمره أيضا للناس بالفطر بعد صومهم يدلان على أن الصوم في السفر منسوخ .

                                                وهذا السؤال من جهة من يقول بعدم جواز الصوم في السفر ، وهو قول الظاهرية أيضا ، ولهذا صرح ابن حزم بانتساخ حكم الصوم في السفر .

                                                وتقرير الجواب أن يقال : لا نسلم صحة دعوى النسخ ، وما دليلك على هذا ؟ بل الدليل يدل على أن الصوم في السفر بعد إفطار النبي - عليه السلام - فيه مباح ، وذلك قول أبي سعيد الخدري في حديثه الذي رواه عنه قزعة بن يحيى المذكور عن قريب : "ثم لقد رأيتني أصوم مع رسول الله - عليه السلام - قبل ذلك وبعد ذلك " .

                                                قوله : "بعد ذلك " يدل على أنه كان يصوم مع النبي - عليه السلام - بعد إفطاره - عليه السلام - في السفر وأمره الناس بذلك ; فدل على أن حكم الصوم في السفر باق ، وأنه غير منسوخ .

                                                ثم أكد ذلك بقوله : وقد قال ابن عباس وهو أحد من روي عنه .

                                                أي : والحال أنه أحد من روي عنه في إفطار النبي - عليه السلام - ما ذكرنا .

                                                [ ص: 351 ] وهو الذي أخرجه من طرق عديدة فيها إفطار النبي - عليه السلام - في السفر .

                                                قوله : "ما حدثنا يونس " مقول القول ، أي : وقد قال ابن عباس ما حدثنا يونس ابن عبد الأعلى ، عن علي بن معبد بن شداد ، عن عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي الرقي روى له الجماعة ، عن عبد الكريم بن مالك الجزري روى له الجماعة ، عن طاوس بن كيسان اليماني روى له الجماعة ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - .

                                                وأخرجه الجصاص في "أحكامه " : من رواية عبد الكريم ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : "لا يعتب على من صام ولا على من أفطر ; لأن الله تعالى قال : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " .

                                                والأثر الثاني : عن أبي بكرة بكار ، عن روح بن عبادة ، عن شعبة ، عن منصور بن المعتمر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس .

                                                وهذا أيضا إسناد صحيح .

                                                وأخرجه البخاري ومسلم : من حديث جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : "سافر رسول الله - عليه السلام - في رمضان حتى بلغ عسفان ، ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهارا ليراه الناس ، فأفطر حتى قدم مكة ، فكان ابن عباس يقول : صام رسول الله - عليه السلام - في السفر وأفطر ، فمن شاء صام ومن شاء أفطر " .

                                                وقد أخرجه الطحاوي أيضا فيما مضى .

                                                فهذا ابن عباس - رضي الله عنهما - لم يجعل إفطار النبي - عليه السلام - في السفر بعد صيامه فيه -أي في السفر- ناسخا للصوم في السفر ، ولكن جعله على جهة التيسير ، وأخبر في أثره المذكور أن اليسر المذكور فيه أريد به التخيير ، فلولا احتمال الآية لما تأولها عليه .

                                                [ ص: 352 ] وقال الجصاص : في هذه الآية دلالة واضحة على أن الإفطار في السفر رخصة يسر الله بها علينا ، ولو كان الإفطار فرضا لازما لزال فائدة قوله : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر لأن قوله يريد الله بكم اليسر يدل على أن المسافر يتخير بين الإفطار وبين الصوم ، كقوله تعالى : فاقرءوا ما تيسر من القرآن وقوله : فما استيسر من الهدي فكل موضع ذكر فيه التيسير ففيه الدلالة على التخيير .




                                                الخدمات العلمية