الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3199 3200 3201 3202 3203 3204 3205 3206 ص: وكان من الحجة لهم في ذلك : أن حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا الفصل قد دخل فيه حديث عائشة - رضي الله عنها - كما ذكروا ، وأصل حديث أبي هريرة ذلك من التبدئة بالرقبة إن كان المجامع لها واجدا ، والتثنية بالصيام بعدها إن كان المجامع للرقبة غير واجد ، والتثليث بالأطعام بعدهما إن كان المجامع لهما غير واجد ، هكذا أصل الحديث الذي رواه الزهري في ذلك ، وكذلك رواه سائر الناس غير مالك وابن جريج ، وبينوا فيه القصة بطولها كيف كانت ، وكيف أمر رسول الله - عليه السلام - بالكفارة في ذلك .

                                                حدثنا فهد ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال : بينا نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل فقال : يا رسول الله هلكت ، فقال له رسول الله - عليه السلام - : ويلك ما لك ؟ ! قال : وقعت على امرأتي وأنا صائم في رمضان ، فقال رسول الله - عليه السلام - : هل تجد رقبة تعتقها ؟ فقال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا والله يا رسول الله ، قال : فهل تجد إطعام ستين مسكينا ؟ قال : لا يا رسول الله ، فسكت رسول الله - عليه السلام - فبينا نحن كذلك أتي رسول الله - عليه السلام - بعرق فيه تمر -والعرق : المكتل- فقال رسول الله - عليه السلام - : أين السائل آنفا ؟ خذ هذا فتصدق به ، فقال الرجل : أعلى أهل بيت أفقر مني يا رسول الله ؟ فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أفقر من أهل بيتي ، فضحك رسول الله - عليه السلام - حتى بدت أنيابه ، ثم قال : أطعمه أهلك " .

                                                قال : فصارت الكفارة إلى عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين مسكينا .

                                                [ ص: 312 ] حدثنا فهد ، قال : ثنا أبو اليمان ، قال : ثنا شعيب ، عن الزهري . . . فذكر بإسناده مثله .

                                                فهذا هو الحديث على وجهه ، وإنما جاء حديث مالك وابن جريج في ذلك عن الزهري على لفظ قول الزهري في هذا الحديث ، فصارت الكفارة إلى عتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينا ، فالتخيير هو كلام الزهري على ما توهم من لم يحكم في حديثه عن حميد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - .

                                                حدثنا إسماعيل بن يحيى ، قال : ثنا محمد بن إدريس ، قال : ثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري . . . فذكر بإسناده مثله ، غير أنه لم يذكر قوله : "فصارت سنة . . " إلى آخر الحديث .

                                                حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : ثنا الحجاج بن منهال ، قال : ثنا سفيان . . . فذكر بإسناده مثله .

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا وهب ، قال : ثنا أيضا ، قال : سمعت النعمان بن راشد يحدث ، عن الزهري . . . فذكر بإسناده مثله .

                                                حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا روح ، قال : ثنا محمد بن في حفصة ، عن ابن شهاب . . . فذكر بإسناده مثله .

                                                حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن الزهري . . . فذكر بإسناده مثله ، وقال : "خمسة عشر صاعا تمرا " ولم يشك .

                                                حدثنا ربيع المؤذن ، قال : ثنا بشر بن بكر ، قال : حدثني الأوزاعي ، قال : سألت الزهري عن رجل جامع امرأته في شهر رمضان ، فقال : ثنا حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، قال : حدثني أبو هريرة . . . فذكر نحوه غير أنه لم يذكر الآصع .

                                                فكان ما روينا في هذا الحديث قد دخل فيه ما في الحديثين الأولين ; لأن فيه أن النبي - عليه السلام - قال له : "أتجد رقبة ؟ قال : لا ، قال : فصم شهرين متتابعين قال : ما أستطيع ، قال : فأطعم ستين مسكينا " .

                                                [ ص: 313 ] فكأن النبي - عليه السلام - إنما أمره بكل صنف من هذه الأصناف الثلاثة لما لم يكن واجدا للصنف الذي ذكره له قبله ، فلما أخبره الرجل أنه غير قادر على شيء من ذلك ، أتي النبي - عليه السلام - بعرق فيه تمر ، فكان ذكر العرق وما كان من دفع النبي - عليه السلام - إياه إلى الرجل ، وأمره إياه بالصدقة هو الذي روته عائشة في حديثها الذي بدأنا بروايته ، فحديث أبي هريرة أولى منه ; لأنه قد كان قبل الذي في حديث عائشة شيء قد حفظه أبو هريرة ولم تحفظه عائشة ، فهو أولى ; لما قد زاده .

                                                وأما حديث مالك وابن جريج فهما عن الزهري على ما ذكرنا ، وقد بينا العلة في ذلك فيما تقدم من هذا الباب ; فثبت بما ذكرنا من الكفارة في الإفطار بالجماع في الصيام في شهر رمضان ما في حديث منصور وابن عيينة ومن وافقهما ، عن الزهري عن حميد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي : وكان من الحجة والبرهان لأهل المقالة الثالثة فيما ذهبوا إليه : أن حديث أبي هريرة المذكور في معرض احتجاج أهل المقالة الثانية وهو الذي أراده بقوله : "الذي ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا الفصل " قد دخل فيه حديث عائشة - رضي الله عنها - .

                                                تقرير هذا الكلام : أن المروي في هذا الباب حديثان :

                                                أحدهما : عن عائشة .

                                                والآخر : عن أبي هريرة .

                                                وحديث أبي هريرة روي على وجهين :

                                                الأول : هو ما رواه مالك وابن جريج عن الزهري ، وهو الذي احتج به أهل المقالة الثانية في التخيير في الكفارة بين الأشياء الثلاثة .

                                                والوجه الثاني : هو ما رواه غير مالك وابن جريج عن الزهري أيضا ، وهو الذي ذكر فيه الرقبة أولا ، ثم صيام شهرين متتابعين ثانيا ، ثم إطعام ستين مسكينا ثالثا ، وهذا هو أصل حديث أبي هريرة ، وإليه أشار بقوله : "أصل حديث أبي هريرة

                                                [ ص: 314 ] ذلك من التبدئة بالرقبة إن كان المجامع لها واجدا " أي : أصل حديث أبي هريرة هو الذي ذكر فيه أولا في ابتداء الكلام بالرقبة ، إن كان المجامع لها -أي للرقبة- واجدا .

                                                وقوله : "لها " يتعلق بقوله : "واجدا " .

                                                قوله : "والتثنية بالصيام بعدها " أي بعد الرقبة ، ذكر الصيام ثانيا إن كان المجامع للرقبة غير واجد .

                                                وقوله : "للرقبة " يتعلق بقوله : "غير واجد " .

                                                وقوله : والتثليث بالإطعام بعدهما أي بعد الرقبة والصيام ذكر الإطعام ثالثا إن كان المجامع لهما غير واجد ، أي للرقبة والصيام .

                                                وقوله : "لهما " يتعلق بقوله : "غير واجد " ، ومعنى "غير واجد " : غير قادر .

                                                وهذا هو أصل الحديث على ما رواه الحفاظ عن الزهري ، وبينوا فيه أصل الحديث والقصة بطولها كيف كانت ، وكيف أمر رسول الله - عليه السلام - بالكفارة في ذلك ، والذي رواه مالك وابن جريج عن الزهري ليس أصل الحديث ، وإنما رويا ذلك على لفظ قول الزهري في هذا الحديث فالتخير هو كلام الزهري على ما توهم من لم يحكم في حديثه عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة -أي لم يحكم في نقل أصل الحديث كما هو عن حميد ، عن أبي هريرة .

                                                وفي بعض النسخ : "على ما توهم من لم يحكه في حديثه عن حميد عن أبي هريرة " من الحكاية ، وهو الأصوب على ما لا يخفى ، وأراد من لم يحك أصل الحديث عن حميد ، عن أبي هريرة ، فالعمل بأصل الحديث هو الواجب ; لأنه خبر واحد عن رجل واحد في قصة واحدة بلا شك ، غير أن مالكا وابن جريج روياه عن الزهري مختصرا ، ورواه الآخرون من الحفاظ مطولا ، وأتوا بلفظ الخبر كما وقع ، وكما سئل - عليه السلام - ، وكما أفتى ، وبينوا فيه أن تلك القصة كانت في وطء امرأته ، ورتبوا الكفارة كما أمر بها رسول الله - عليه السلام - .

                                                وقال ابن حزم : وأحال مالك وابن جريج ويحيى : صفة الترتيب ، وأجملوا الأمر ، وأتوا بغير لفظ النبي - عليه السلام - ، فلم يجز الأخذ بما رووه من ذلك مما هو لفظ من

                                                [ ص: 315 ] دون النبي - عليه السلام - ممن اختصر الخبر وأجمله ، وكان الغرض أخذ فتيا النبي - عليه السلام - كما أفتى بها بنص كلامه فيما أفتى به .

                                                وقال البيهقي : فرواية الجماعة عن الزهري -بتقييد الوطء ناقلة للفظ صاحب الشرع- أولى بالقبول ; لإتيانهم بالحديث على وجهه ، على أن حماد بن مسعدة روى الحديث عن مالك بلفظ الجماعة .

                                                ثم أخرجه البيهقي : من حديث عبد الرحمن بن بشر نا حماد ، عن مالك ، ولفظه : " أن النبي - عليه السلام - قال في رجل وقع على أهله في رمضان : أعتق رقبة . قال : ما أجدها ، قال : فصم شهرين . قال : ما أستطيع ، قال : فأطعم ستين مسكينا " .

                                                فهذا الذي ذكرنا هو وجه ترجيح رواية الجماعة عن الزهري على رواية مالك وابن جريج عنه .

                                                وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - : فإنه داخل في حديث أبي هريرة ، وحديث أبي هريرة شامل عليه وعلى زيادة ; فالأخذ بحديث أبي هريرة أولى ; لأنه زاد على حديث عائشة ، وحفظ فيه ما لم تحفظه عائشة ، فيكون أحق بالقبول ، وكذا قال البيهقي بعد إخراجه هذه الأحاديث : فالأخذ بزيادات أبي هريرة أولى .

                                                وإليه أشار الطحاوي أيضا بقوله : فحديث أبي هريرة أولى منه ، أي من حديث عائشة .

                                                قوله : "فثبت بما ذكرنا " وأراد به ما ذكره من قوله : "وكان من الحجة لهم في ذلك . . . " إلى آخره .

                                                وقوله : "ما في حديث منصور وابن عيينة " في محل الرفع على أنه فاعل لقوله : "فثبت " وأراد به ما رواه منصور بن المعتمر ، عن الزهري ، عن حميد ، عن أبي هريرة .

                                                وما رواه سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن حميد . على ما يجيء الآن إن شاء الله تعالى .

                                                [ ص: 316 ] وأراد بقوله : "ومن وافقهما " -أي : منصورا وابن عيينة - عبد الرحمن بن خالد والنعمان بن راشد والأوزاعي على ما يجيء عن قريب .

                                                ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من ثمان طرق صحاح :

                                                الأول : عن فهد بن سليمان ، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد . . . إلى آخره .

                                                وهذا الحديث أخرجه الجماعة على ما نذكره إن شاء الله تعالى .

                                                الثاني : عن فهد أيضا ، عن أبي اليمان الحكم بن نافع -شيخ البخاري - عن شعيب بن أبي حمزة دينار الحمصي ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبي هريرة .

                                                وأخرجه البخاري : ثنا أبو اليمان ، قال : أنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني حميد بن عبد الرحمن ، أن أبا هريرة قال : "بينما نحن جلوس عند النبي - عليه السلام - إذ جاءه رجل فقال : يا رسول الله هلكت ، قال : ما لك ؟ قال : وقعت على امرأتي وأنا صائم ، فقال رسول الله - عليه السلام - : هل تجد رقبة . . . " إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء غير أن في لفظه : "فمكث النبي - عليه السلام - " وفي رواية الطحاوي : "فسكت رسول الله - عليه السلام - " .

                                                الثالث : عن إسماعيل بن يحيى المزني ، عن محمد بن إدريس الشافعي الإمام ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه مسلم : ثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير ، كلهم عن ابن عيينة -قال يحيى : أنا سفيان بن عيينة - عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة قال : "جاء رجل إلى النبي - عليه السلام - فقال : هلكت يا رسول الله ، قال : وما أهلكك ؟ قال : وقعت على امرأتي في رمضان ، قال : هل تجد

                                                [ ص: 317 ] ما تعتق رقبة ؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا ، قال : فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا ؟ قال : لا ، قال : ثم جلس ، فأتي النبي - عليه السلام - بعرق فيه تمر ، فقال : تصدق بهذا ، فقال : أفقر منا ؟ ! فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا ، فضحك النبي - عليه السلام - حتى بدت أنيابه ، ثم قال : اذهب فأطعمه أهلك " .


                                                الرابع : عن محمد بن خزيمة بن راشد ، عن الحجاج بن منهال الأنماطي -شيخ البخاري - عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه أبو داود : ثنا مسدد ومحمد بن عيسى -المعني- قالا : ثنا سفيان - قال مسدد : قال سفيان - نا الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة قال : "أتى رجل إلى النبي - عليه السلام - فقال : هلكت ، فقال : ما شأنك ؟ قال : وقعت على امرأتي في رمضان ، قال : فهل تجد ما تعتق رقبة ؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا ؟ قال : لا ، قال : اجلس ، فأتي رسول الله - عليه السلام - بعرق فيه تمر ، فقال : تصدق به فقال : يا رسول الله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا . قال : فضحك حتى بدت ثناياه ، قال : فأطعمه إياهم " وقال مسدد في موضع آخر : "أنيابه " .

                                                وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه : من طريق سفيان بن عيينة أيضا .

                                                الخامس : عن إبراهيم بن مرزوق ، عن وهب بن جرير ، عن أبيه جرير بن حازم ، عن النعمان بن راشد ، عن الزهري . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه البيهقي في "سننه " نحوه .

                                                [ ص: 318 ] السادس : عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن روح بن عبادة ، عن محمد بن أبي حفصة ، عن الزهري .

                                                السابع : عن أبي بكرة أيضا ، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي ، عن سفيان الثوري ، عن منصور بن المعتمر ، عن الزهري . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه البيهقي في "سننه " : من حديث مؤمل بن إسماعيل ، عن سفيان ، عن منصور به ، وفيه : "فأتي بمكتل فيه خمسة عشر صاعا من تمر فقال : خذها فأطعمه عنك . . . " الحديث .

                                                وكذا لفظ إبراهيم بن طهمان ، عن منصور .

                                                الثامن : عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي ، عن بشر بن بكر التنيسي ، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، عن الزهري . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه البيهقي نحوه : من حديث الأوزاعي ، ثم قال : ورواه ابن المبارك ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، فجعل هذا التقدير عن عمرو بن شعيب ، فالذي يشبه أن يكون تقدير المكتل بخمسة عشر صاعا عن عمرو .

                                                وأخرج الدارقطني في "سننه " : ثنا أبو بكر النيسابوري ، نا أبو عمر عيسى بن أبي عمران البزار بالرملة ، ثنا الوليد بن مسلم ، نا الأوزاعي ، حدثني الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - : "أن رجلا جاء إلى رسول الله - عليه السلام - فقال : يا رسول الله هلكت ، قال : ويحك وما ذاك ؟ قال : وقعت على أهلي في يوم من رمضان ، قال : أعتق رقبة قال : ما أجد ، قال : فصم شهرين متتابعين ، قال : ما أستطيع ، قال : فأطعم ستين مسكينا ، قال : ما أجد ، قال : فأتي النبي - عليه السلام - بعرق فيه

                                                [ ص: 319 ] تمر ، فيه خمسة عشر صاعا ، قال : خذه وتصدق به ، فقال : على أفقر من أهلي ؟ فوالله ما بين لابتي المدينة أحوج من أهلي ، فضحك رسول الله - عليه السلام - حتى بدت أنيابه ثم قال : خذه واستغفر الله ، وأطعمه أهلك " .


                                                هذا إسناد صحيح .

                                                قلت : رواية الطحاوي عن الأوزاعي ليس فيها ذكر الأصوع ، وهي هذه الصحيحة ، فلذلك قال البيهقي : ورواه ابن المبارك ، عن الأوزاعي ، عن الزهري فجعل هذا التقدير عن عمرو بن شعيب ، أراد به تقدير ما في العرق بالأصوع ، فالذي يشبه أن يكون تقدير المكتل بخمسة عشر صاعا عن عمرو بن شعيب .

                                                وقال البيهقي أيضا : ورواه ابن المبارك والهقل ومسرور بن صدقة ، عن الأوزاعي ، لكن جعل ابن المبارك قوله : خمسة عشر صاعا من رواية عمرو بن شعيب ، وأدرجه الآخران في الحديث كالوليد .

                                                قوله : "بينا نحن عند رسول الله - عليه السلام - " قد ذكرنا غير مرة أن "بينا " أصله بين ، فأشبعت الفتحة فصارت ألفا ، يقال : بينا وبينما ، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل ، ومبتدأ وخبر ، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى ، وجوابه : ها هنا : إذ جاءه رجل ، وقد قالوا : إن الأفصح أن لا يكون في جوابها إذ وإذا ، ولكن تجيء إذ وإذا كثيرا في الجواب .

                                                قوله : "هلكت " وروي في بعض الروايات : "هلكت وأهلكت " ، فمن ذلك قالوا : إن قوله : أهلكت ، دل على مشاركة المرأة إياه في الجناية ; لأن الإهلاك يقتضي الهلاك ضرورة كالقطع يقتضي الانقطاع ، وكذا هو وقع في عبارة "صاحب الهداية " وغيره بهذه اللفظة ، وقال الخطابي : هذه اللفظة -أعني قوله : وأهلكت- غير موجودة في شيء من رواية هذا الحديث ، وأصحاب سفيان لم يرووها عنه ، وإنما

                                                [ ص: 320 ] ذكروا "هلكت " حسب ، غير أن بعض أصحابنا حدثني أن المعلى بن منصور روى هذا الحديث عن سفيان فذكر هذا الحرف فيه ، فهو غير محفوظ ، والمعلى ليس بذاك في الحفظ والإتقان .

                                                قلت : معلى بن منصور الرازي ثقة ثبت ، أخرج له الجماعة وهو من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد ، وقال يعقوب بن شيبة : ثقة فيما تفرد به وشورك فيه ، متقن صدوق فقيه مأمون . وقال أبو حاتم : كان صدوقا في الحديث ، وكان صاحب رأي . وقال العجلي : صاحب سنة ، وكان نبيلا طلبوه على القضاء غير مرة فأبى . وعادة الخطابي حطه على الأئمة الحنفية بما لا يضرهم ولا يجديه .

                                                قوله : "ويلك " كلمة تهديد وتوعيد ، كما أن "ويحك " كلمة ترحم وإشفاق .

                                                قوله : "أعلى أهل بيت " الهمزة فيه للاستفهام ، ووقع في رواية مسلم : "أفقر منا " قال القاضي : رويناه بالنصب على إضمار الفعل أي : أتجد أفقر منا أو تعطي أفقر منا ؟ ! وقد يصح رفعه على خبر المبتدأ أي : أتجد أفقر منا ، أو من يتصدق عليه أفقر منا ، ووقع لمسلم في رواية عائشة : "أغيرنا " ، قال القاضي : بالضم ، ويصح بالفتح .

                                                قوله : "ما بين لابتيها " أي ما بين جانبي المدينة ، واللابة : الحرة وهي أرض ذات حجارة سود بين جبلين ، قال أبو عبيد : "لابتيها " يعني : حرتي المدينة ، واحدتها لابة ، وجمعها لوب ، وقال ابن الأثير : اللابة الحرة وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها ، وجمعها لابات ، فإذا كثرت فهي اللآب واللوب ، مثل قارة وقار وقور ، وألفها منقلبة عن واو ، والمدينة ما بين حرتين عظيمتين .

                                                قلت : الحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء .

                                                ويستفاد من هذا الحديث أحكام :

                                                الأول : استدل به الجمهور على أن ذلك في العامد لجماعه دون الناسي .

                                                الثاني : قوله : "هل تجد رقبة " استدل به الشافعي وداود وأهل الظاهر على مذهبهم

                                                [ ص: 321 ] في أنه لا يلزم في الجماع على الرجل والمرأة إلا كفارة واحدة ; إذ لم يذكر حكم المرأة ، وهو موضع البيان ، وقد أجبنا عن هذا فيما مضى .

                                                الثالث : استدل بقوله : "رقبة تعتقها " من لا يشترط فيها الإيمان لإطلاقه ذلك ، وقال مالك وأصحابه : لا تجزئ إلا رقبة مؤمنة .

                                                الرابع : فيه دليل صريح باشتراط التتابع في صوم شهرين ، خلافا لما روي في ذلك عن ابن أبي ليلى أنه لا يلزم فيهما التتابع .

                                                الخامس : فيه دليل صريح بأن الواجب في الإطعام هو إطعام ستين مسكينا خلافا لما روي عن الحسن أنه يطعم أربعين مسكينا عشرين صاعا .

                                                السادس : استدل بقوله : "أطعمه أهلك " بعضهم أن الكفارة تسقط عن المعسر ، وقال الزهري : هذا خاص لهذا الرجل وحده ، يعني أنه يجزئه أن يأكل من صدقة نفسه لسقوط الكفارة عنه لفقره ، فسوغها له النبي - عليه السلام - ، وقد روي : "كله وأطعمه أهلك " وقيل : هو منسوخ .

                                                وقيل : يحتمل أنه أعطاه إياه لكفارته ، وأنه يجزئه عمن لا تلزمه نفقته من أهله .

                                                وقيل : بل لما كان عاجزا عن نفقة أهله جاز له إعطاء الكفارة عن نفسه لهم .

                                                وقيل : بل لما ملكها إياه النبي - عليه السلام - وهو محتاج جاز له أكلها وأهله لحاجة .

                                                وقيل : يحتمل أنه لما كان لغيره أن يكفر عنه ، كان لغيره أن يتصدق عليه عند الحاجة بتلك الكفارة .

                                                وقيل : بل أطعمه إياه لفقره وأبقى الكفارة عليه متى أيسر ، وهذا تحقيق كافة الأئمة العلماء .

                                                وذهب الأوزاعي وأحمد إلى أن حكم من لم يجد الكفارة ممن لزمته من سائر الناس سقوطها عنه مثل هذا الرجل .

                                                [ ص: 322 ] وقال أبو عمر : اختلف العلماء في الواطئ أهله في رمضان إذا وجب عليه التكفير بالإطعام دون غيره ، ولم يجد ما يطعم ، وكان في حكم الرجل الذي ورد هذا الحديث فيه .

                                                فأما مالك فلم أجد عنه في ذلك شيئا منصوصا ، وكان عيسى بن دينار يقول : إنها على المعسر واجبة ، فإذا أيسر أداها ، وقد يخرج قول ابن شهاب على هذا ; لأنه جعل إباحة النبي - عليه السلام - لذلك الرجل أكل الكفارة لعسرته رخصة له وخصوصا .

                                                قال ابن شهاب : ولو أن رجلا فعل ذلك اليوم لم يكن له بد من التكفير .

                                                وقال الشافعي : قول رسول الله - عليه السلام - : "كله وأطعمه أهلك " يحتمل معاني منها :

                                                أنه لما كان في الوقت الذي أصاب فيه أهله ليس ممن يقدر على واحدة من الكفارات تطوع رسول الله - عليه السلام - بأن قال له في شيء أتي به كفره ، فلما ذكر الحاجة ولم يكن الرجل قبضه قال له : "كله وأطعمه أهلك " وجعل التمليك له حينئذ مع القبض ، ويحتمل أنه لما ملكه وهو محتاج ، وكان إنما تكون الكفارة عليه إذا كان عنده فضل ، ولم يكن عنده فضل كان له أن يأكله هو وأهله لحاجته ، ويحتمل في هذا أن تكون الكفارة دينا عليه متى أطاقها أداها ، وإن كان ذلك ليس في الخبر ، وكان هذا أحب إلينا وأقرب من الاحتياط .

                                                ويحتمل أن يكون إذا لم يقدر على شيء في حاله تلك أن تكون الكفارة ساقطة إذا كان معلوما كما سقطت الصلاة عن المغمى عليه إذا كان مغلوبا .

                                                وحكى الأثرم عن أحمد بن حنبل : إن كان المجامع في رمضان محتاجا أطعمه عياله فقد أجزأ عنه .

                                                قلت : ولا يكفر مرة أخرى إذا وجد ؟ قال : لا ، قد أجزأت عنه إلا أنه خاص في الجماع في رمضان وحده لا في كفارة اليمين ولا في كفارة الظهار ، ولا في غيرها إلا في الجماع وحده .

                                                [ ص: 323 ] وزعم الطبري أن قياس قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه وأبي ثور : أن الكفارة دين عليه إذا قدر عليها ، وذلك أن قولهم في كل كفارة لزمت إنسانا فسبيلها عندهم الوجوب في ذمة المعسر يؤديها إذا أيسر ، فكذلك سبيل الكفارة للفطر في رمضان على قياس قولهم .

                                                قال أبو عمر : إن احتج محتج في إسقاط الكفارة عن المعسر بأن رسول الله - عليه السلام - إذ قال له : "كل أنت وعيالك " ولم يقل له : أتؤديها إذا أيسرت ؟ ولو كانت واجبة عليه لم يسكت عنه حتى يتبين ذلك له .

                                                قيل له : ولا قال رسول الله - عليه السلام - : إنها ساقطة عنك لعسرتك ، فقد أخبره بوجوبها عليه ، وكل ما وجب أداؤه في اليسار لزمه في الميسرة ، والله أعلم .




                                                الخدمات العلمية