الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        المطلب الثاني

        الضمان في غصب الوقف

        غصب العين الموقوفة محرم; لعموم قوله تعالى: إن الله لا يحب المعتدين .

        (269) ولما رواه البخاري ومسلم من طريق محمد بن إبراهيم أن أبا سلمة حدثه أنه كانت بينه وبين أناس خصومة، فذكر لعائشة رضي الله عنها ، فقالت: يا أبا سلمة اجتنب الأرض، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين".

        وإذا كانت العين الموقوفة المغصوبة موجودة وباقية في يد غاصبها وجب ردها بلا خلاف بين العلماء ، لقوله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فإن تلفت العين المغصوبة، أو تلف بعضها في يد غاصبها لزمه ضمانها أو ضمان ما تلف منها، ويجعل وقفا بدل الأول أو يصرف في مثله ولا يصرف إلى أهل الوقف; لأن ذلك بدل الرقبة وحقهم في الغلة دون الرقبة . [ ص: 199 ]

        ثم الضمان يكون بالمثلي إن وجد وإلا بالقيمة، لكن لو كان الإتلاف بنحو هدم حائط أجبر الغاصب على إعادته إن أمكن وإلا ضمنه ، أو بنحو قلع شجر ألزم بضمان قيمتها.

        وهذا الحكم اتفقت عليه المذاهب الأربعة :

        الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وكذا المالكية، وإن كان المالكية لم يصرحوا بحكم غصب الوقف; إلا أنه يدل عليه عموم حكمهم على الغاصب دون التفريق بين كون العين المغصوبة وقفا أو لا.

        قال ابن نجيم: "أرض الوقف إذا غصبها غاصب وأجرى عليها الماء حتى صارت بحرا لا تصلح للزراعة يضمن قيمتها، ويشتري بقيمتها أرضا أخرى، فتكون الثانية وقفا على وجه الأولى".

        وقال في جامع الفصولين: غصب وقفا فنقص فما يؤخذ بنقصه يصرف إلى مرمته لا إلى أهل الوقف; لأنه بدل الرقبة، وحقهم في الغلة لا في الرقبة " .

        وجاء في الفتاوى الهندية : "ولو غصبها من الواقف أو من واليها غاصب فعليه أن يردها إلى الواقف، فإن أبي وثبت غصبه عند القاضي حبسه حتى ترد، فإن كان دخل الوقف نقص غرم النقصان، ويصرف إلى مرمة الوقف، [ ص: 200 ] ويعمر به ما انهدم منه ولا يقسم بين أهل الوقف كذا في المحيط، فإن كان الغاصب زاد في الأرض من عنده إن لم تكن الزيادة مالا متقوما بأن كرب الأرض أو حفر النهر أو ألقى في ذلك السرقين، واختلط ذلك بالتراب وصار بمنزلة المستهلك، فإن القيم يسترد الأرض من الغاصب بغير شيء، وإن كانت الزيادة مالا متقوما كالبناء والشجر يؤمر الغاصب برفع البناء وقلع الأشجار ورد الأرض إن لم يضر ذلك بالوقف، وإن كان أضر بالوقف بأن خرب الأرض بقلع الأشجار والدار برفع البناء لم يكن للغاصب أن يرفع البناء أو يقلع الشجر إلا أن القيم يضمن قيمة الغراس مقلوعا وقيمة البناء مرفوعا إن كان للوقف غلة في يد المتولي يكفي لذلك الضمان، وإن لم يكن للوقف غلة فيعطى الضمان من ذلك، كذا في فتاوى قاضي خان، وإن أراد الغاصب قطع الأشجار من أقصى موضع لا يخرب الأرض كان له ذلك، ثم يضمن القيم له قيمة ما بقي في الأرض الموقوفة إن كانت له قيمة كذا في المحيط، فإن صالح المتولي من الغرس على شيء جاز إذا كان فيه صلاح الوقف، وكذا في العمارة كذا في الحاوي" .

        وقال المناوي: "لو غصب عينا موقوفة وادعى تلفها، فأنكر الناظر صدق الغاصب بيمينه ويغرمه الناظر المثل أو القيمة في الأصح، فإن لم يفعل قام الحاكم مقامه في التغريم حفظا على المستحقين ".

        وقال المرداوي: "لو أتلف إنسان الجارية الموقوفة لزمه قيمتها، يشترى بها مثلها، وإن حصل الإتلاف في جزء بها كقطع طرف مثلا، فالصحيح أنه يشترى بأرشها شقص يكون وقفا ". [ ص: 201 ] وفي الشرح الكبير : (مسألة) (وإن تلفت فعليه قيمتها يشترى بها مثلها) سواء أتلفها أجنبي أو الواقف كما لو أتلف غير الوقف، وإن أتلفه الموقوف عليه فعليه قيمته أيضا يشترى بها مثله يقوم مقامه ; لأنه لا يملك التصرف في رقبته إنما له نفعه، ويحتمل أن يملك الموقوف عليه قيمة الولد فيما إذا وطئها أجنبي بشبهة فأتت بولد، ولا يلزمه قيمته إن أولدها لذلك".

        وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مستأجر وقف هدم حوضا للسبيل، ومطهرة للمسلمين وهدم الحيطان، قال: "يعزر هذا المستأجر الظالم الذي فعل ذلك، ويلزم بضمان ما أتلفه من البناء، وأما القيمة والشجر فيستغل كما جرت عادتها، وتصرف الغلة في مصارفها الشرعية".

        وذكر النفراوي: "أن الغاصب ضامن لكل شيء غصب، فإن رد الغاصب ذلك الذي غصبه قائما بحاله لم يتغير بنقص في بدنه فلا شيء عليه ، وإن تغير الشيء المغصوب عند غاصبه بأمر سماوي لا صنع لأحد فيه، فربه مخير بين أخذه بنقصه من غير أرش أو تضمين الغاصب القيمة يوم الاستيلاء عليه .... ولو كان النقص بتعدي الغاصب خير ربه في أخذه ناقصا مع أخذ أرش نقصه وفي تركه للغاصب وأخذ قيمته يوم الغصب".

        ودليل هذا :

        1- عموم قوله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم . 2- أنه لما تعذر رد العين وجب رد ما يقوم مقامها في المالية ; [ ص: 202 ] (270) لما روى البخاري من طريق يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه "أن إحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم كسرت قصعة الأخرى، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم قصعة الكاسرة إلى رسول صاحبة المكسورة وحبس المكسورة في بيته".

        (271) ولما روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا عتق منه ما عتق" .

        حيث أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتقويم في حصة الشريك; لأنه متلفة بالعتق .

        التالي السابق


        الخدمات العلمية