الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        المبحث الثاني

        ولاية الموقوف عليه على الوقف

        إذا لم يشترط الواقف النظر لأحد، فإن الوقف لا يخلو من إحدى حالتين :

        الحال الأولى: أن يكون الوقف على غير محصورين، كالفقراء والمساكين، أو على مسجد، أو مدرسة، ونحو ذلك :

        إذا كان الوقف على جهة عامة، فالنظر على الوقف يكون للقاضي خاصة.

        قال الدردير : "إن لم يجعل ناظرا، فإن كان المستحق معينا رشيدا فهو الذي يتولى أمر الوقف، وإن كان غير رشيد فوليه ، وإن كان المستحق غير معين - كالفقراء - فالحاكم يولي عليه من شاء، وأجرته من ريعه ، وكذا إن كان الوقف على ... كمسجد".

        وقال المرداوي: "محل الخلاف إذا كان الموقوف عليه معينا، أو جمعا محصورا، فأما إن كان الموقوف عليهم غير محصورين - كالفقراء والمساكين - أو على مسجد، أو مدرسة، أو قنطرة أو رباط، أو نحو ذلك، فالنظر فيه للحاكم قولا واحدا" . [ ص: 376 ]

        والدليل على هذا:

        ا- حديث عائشة رضي الله عنها ، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : "والسلطان ولي من لا ولي له".

        2- أن الوقف في هذه الحال ليس له مالك متعين ينظر فيه، فيكون النظر فيه للقاضي.

        الحال الثانية: أن يكون الوقف على معين محصور:

        وفي هذه الحال اختلف الفقهاء فيمن يستحق النظر على الوقف، وذلك على قولين:

        القول الأول: أن النظر على الوقف إذا كان الموقوف عليه معينا محصورا يستحقه الموقوف عليه.

        وبهذا قال بعض الحنفية، وبه قال المالكية، وبعض الشافعية ، وهو المذهب عند الحنابلة.

        القول الثاني: أن النظر على الوقف إذا كان الموقوف عليه معينا محصورا يستحقه القاضي، وله أن يولي عليه من يشاء.

        وهذا هو القول المفتى به عند الحنفية، وهو المذهب عند [ ص: 377 ] الشافعية ، وبه قال بعض الحنابلة.

        الأدلة:

        أدلة القول الأول:

        استدل أصحاب هذا القول بما يلي:

        1- أن الوقف ملك للموقوف عليه، ونفعه له، فكان نظره إليه، كملكه المطلق .

        ونوقش هذا الاستدلال : بعدم التسليم بأن الوقف ملك للموقوف عليه ، بل الراجح أنه ملك لله سبحانه وتعالى - كما سبق تحريره.

        2- أنه مالك لنفعه وثمرته، فكان أولى بولايته .

        3- أن ولاية الموقوف عليهم على الوقف تنفي ما يشكو منه المستحقون للوقف من استغلال النظار للغلة بعدم إيصال الحقوق إليهم وأكلها .

        4- أن الموقوف عليهم أحرص من غيرهم على نماء الوقف وإدارته، والمحافظة عليه بترميمه وعمارته ; لأنهم يشعرون أن الغلة لهم، وأن النماء سيعود بالربح الوفير لهم، فهم يحافظون عليه محافظة المالك المطلق على ملكه.

        5- أن تولية الموقوف عليه على الوقف تمنع اقتطاع جزء من غلة الوقف لإعطائها كأجر للمتولي الأجنبي، وهو مال ليس بالقليل، فأحرى أن يستفيد منه المستحقون . [ ص: 378 ]

        أدلة القول الثاني: (أن النظر للقاضي) :

        استدل أصحاب هذا القول بما يلي:

        1- حديث عائشة رضي الله عنها ، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : "والسلطان ولي من لا ولي له".

        ويدخل في ذلك الولاية على الوقف إذا كان على محصورين، ولا ناظر له. 2- أن ملكية الوقف تنتقل إلى الله سبحانه وتعالى ، فالحاكم ينوب فيه ويصرفه إلى مصارفه ; لأنه مال الله ، فكان النظر فيه إلى حاكم المسلمين، كالوقف على المساكين .

        ونوقش هذا الاستدلال: بالفرق; إذ الوقف على المساكين وقف على جهة عامة، بخلاف مسألتنا فهو وقف على جهة خاصة.

        3- أن النظر على الوقف يتعلق به حق الموجودين من الموقوف عليهم، وحق من يأتي من البطون، فلا يستقل به الموجود، بل يكون نظره إلى الحاكم .

        ونوقش هذا الاستدلال : بالتسليم، فحق الموقوف عليه من النظر ينقطع بموته، ولا يملك تأجيره مدة طويلة ; احتياطا لمن بعده من البطون كما تقدم تحريره .

        4- أن للقاضي النظر العام، فكان أولى بالنظر على الوقف. [ ص: 379 ]

        ونوقش هذا الاستدلال: بأنه استدلال في محل النزاع.

        5- أنه لا حق للموقوف عليه في التصرف في الوقف، إنما حقه في أخذ الغلة.

        ونوقش هذا الاستدلال: بأن النظر ليس تصرفا في عين الوقف، وإنما هو استثمار لتلك العين، وما دام أن الغلة للموقوف عليه فلا مانع من أن يتولى تحصيل الغلة.

        الترجيح :

        الراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بأن النظر على الوقف إذا كان الموقوف عليه معينا محصورا يستحقه الموقوف عليه، وإن كانت ملكية العين الموقوفة تنتقل إلى الله سبحانه وتعالى - فإن ثمرته ومنفعته تكون للموقوف عليه ، فكان أولى به من الأجنبي الذي يرتبه القاضي، ولأنه إذا كانت الولاية له دعاه ذلك إلى المحافظة عليه ، وتنميته، وتكثير نفعه; إذ سيعود عليه . [ ص: 380 ]

        التالي السابق


        الخدمات العلمية