الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        المطلب الثالث

        استبدال الناظر للوقف إذا لم تتعطل منافعه.

        وفيه مسألتان:

        المسألة الأولى: استبدال الناظر للوقف إذا لم يكن هناك مصلحة راجحة:

        ومعنى ذلك: ألا يكون في استبدال الوقف بغيره فائدة ظاهرة أكثر من فائدة إبقائه، بل لا يكون في الاستبدال فائدة، أو يكون فيه فائدة يسيرة، فهل يملك الناظر الاستبدال، أو لا يملكه؟.

        اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على عدم ملكية الناظر لاستبدال الوقف إذا لم تتعطل منافعه، ولم يكن هناك مصلحة راجحة في استبداله ، فقد قال بذلك الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة. [ ص: 14 ]

        قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "ولا يجوز أن يبدل الوقف بمثله لفوات التعيين بلا حاجة".

        الأدلة:

        استدلوا بالأدلة التالية:

        1. ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه تصدق بمال له على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقال له : ثمغ، وكان نخلا، فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله إني استفدت مالا، وهو عندي نفيس، فأردت أن أتصدق به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "تصدق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره".

        الشاهد من الحديث : قوله صلى الله عليه وسلم : "لا يباع"

        وهذا الحديث واضح الدلالة.

        2- أن مقتضى الوقف التأبيد، وتحبيس الأصل، بدليل أن ذلك من بعض ألفاظه، والتصرف في رقبته ينافي ذلك، فلا يجوز.

        المسألة الثانية: استبدال الناظر للوقف إذا كان هناك مصلحة راجحة:

        ومن صوره: ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله قال: "وأما ما وقف للغلة إذا أبدل بخير منه ، مثل : أن يقف دارا، أو حانوتا، أو بستانا، أو قرية يكون مغلها قليلا فيبدلها بما هو أنفع للوقف، فقد أجاز ذلك أبو ثور وغيره من العلماء... وهو قياس قول أحمد في تبديل المسجد من عرصة إلى عرصة للمصلحة...".

        فالمقصود بالمصلحة الراجحة أن يكون بدله خيرا منه للواقف والموقوف [ ص: 15 ] عليه ، كأن تقل منافعه ويكون غيره أنفع منه، وأكثر درا على أهل الوقف، فهل يملك الناظر استبداله، أو لا يملكه؟.

        منشأ الخلاف في المسألة :

        إن منشأ الخلاف في مسألة استبدال الوقف راجع - فيما يظهر - إلى ما يأتي:

        1- أن الوقف فيه شبه من التحرير وشبه من التمليك، وما ينبني على ذلك الأمر من التصرفات المرتبطة بالملكية، قال شيخ الإسلام: "الوقف فيه شبه من التحرير وشبه من التمليك"، وقال: "والمقصود هنا أن الوقف فيه شبه التحرير والتمليك ، ولهذا اختلف الفقهاء في الوقف على المعين، هل يفتقر إلى قبوله كهبة أو لا يفتقر إلى قبوله كالعتق؟".

        2- ومما يؤثر في هذه المسألة النظر إلى تأبيد العين أو عدمه، ومدى دلالة النص على ذلك.

        3- وكذا ما يثور حول سبب ضياع الأوقاف وتلفها، أو هو فتح باب الاستبدال أو ضده من الجمود على منع الاستبدال مطلقا ؟ . [ ص: 16 ]

        قال ابن نجيم: "وقد شاهدنا في الاستبدال من الفقهاء ما لا يعد ولا يحصى، فإن ظلمة القضاة جعلوه حيلة إلى إبطال أكثر أوقاف المسلمين، وفعلوا ما فعلوا".

        وقال ابن عابدين : "ثم اتفق المتأخرون أن الأفضل أن لا يعلموا القاضي في زمننا، لما عرف من طمع القضاة في أموال الوقف".

        ومن أسوأ ما ذكروا ما جاء في الشرح الصغير : "من أن رزقة كانت موقوفة على مدرسة السلطان حسن، فباعها نظارها لذمي، ثم إن الذمي أوقفها على كنيسة، وكان المسلمون يزرعونها ويدفعون خراجها إلى الكنيسة".

        اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

        القول الأول: أن الناظر يملك استبدال الوقف إذا كان هناك مصلحة راجحة .

        وبهذا قال بعض الحنفية، وبعض الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية .

        القول الثاني: أن الناظر لا يملك استبدال الوقف، وإن كان هناك مصلحة راجحة ما دامت منافعه قائمة. [ ص: 17 ]

        وهذا هو الأصح المختار عند الحنفية، وعليه أغلبهم، وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة.

        الأدلة:

        أدلة القول الأول: (ملك الناظر الاستبدال) :

        استدل لهذا القول بما يلي:

        ا- ما روته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا، فبلغت به أساس إبراهيم...".

        وجه الاستدلال : قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "ومعلوم أن الكعبة أفضل وقف على وجه الأرض، ولو كان تغييرها وإبدالها بما وصفه صلى الله عليه وسلم واجبا لم يتركه، فعلم أنه كان جائزا، وأنه كان أصلح لولا ما ذكره من حدثان عهد قريش بالإسلام، وهذا فيه تبديل بنائها ببناء آخر، فعلم أن هذا جائز في الجملة، وتبديل التالف بتالف آخر هو أحد أنواع الإبدال ". [ ص: 18 ]

        وقال ابن قاضي الجبل : "هذا الحديث دل على مساغ مطلق الإبدال في الأعيان الموقوفات للمصالح الراجحات".

        2- ما رواه عمر رضي الله عنه قال : حملت على فرس في سبيل الله ، فأضاعه الذي كان عنده ، فأردت أن أشتريه منه، وظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه".

        وجه الاستدلال : قول عمر رضي الله عنه في الحديث: (فأضاعه) يقتضي أن الذي كان عنده قد قصر في حقه حتى ضعف، فبيع لضياعه وضعفه، ولم ينكر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك لكنه نهى عمر رضي الله عنه عن شرائه، لتصدقه به.

        والظاهر من الحمل في سبيل الله : أن المراد بذلك حقيقة الحبس، بل هو المتبادر من الحديث، خصوصا وقد سماه (صدقة) في قوله : "ولا تعد في صدقتك"، ولفظ الصدقة من ألفاظ الوقف، كما في حديث عمر رضي الله عنه : فتصدق بها عمر".

        (253) 3- ما رواه الطبراني : حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا المسعودي، عن القاسم قال : لما قدم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يعني إلى الكوفة كان سعد بن مالك قد بنى القصر، واتخذ مسجدا عند أصحاب التمر ، قال : فنقب بيت المال، فأخذ الرجل الذي نقبه ، فكتب إليه عمر رضي الله عنه : "لا تقطع الرجل، وانقل المسجد، واجعل بيت المال في قبلته ، فإنه لن يزال في المسجد مصل، فنقله عبد الله ، فخط له هذه الخطة". [ ص: 19 ]

        وجه الاستدلال : قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا كان يجوز في المسجد الموقوف الذي يوقف للانتفاع بعينه ، وعينه محترمة شرعا أن يبدل به غيره للمصلحة، فلأن يجوز الإبدال بالأصلح والأنفع فيما يوقف للاستغلال أولى وأحرى".

        وقال ابن قاضي الجبل: "هذا الأثر... يدل على مساغ بيع رجحان المبادلة ; لأن هذا المسجد لم يكن متعطلا ، وإنما ظهرت المصلحة في نقله لحراسة بيت المال الذي جعل في قبلة المسجد الثاني. [ ص: 20 ]

        قال ابن قدامة : "وكان بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه، فكان إجماعا".

        وقال ابن تيمية : "وقد ثبت أن الخلفاء الراشدين كعمر وعثمان غيرا صورة الوقف للمصلحة، بل فعل عمر بن الخطاب ما هو أبلغ من ذلك حيث حول مسجد الكوفة القديم، فصار سوق التمارين، وبنى لهم مسجدا في مكان آخر .

        وقال أيضا: "فالمقصود أنه إذا أجاز الاستبدال في المسجد الموقوف الذي يوقف للانتفاع بعينه ، وعينه محترمة شرعا، فلأن يجوز الاستبدال فيما يوقف للاستغلال أولى وأحرى".

        4 - ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : "أنه كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج".

        5- ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لشيبة الحجبي في كسوة الكعبة القديمة : "بعها واجعل ثمنها في سبيل الله والمساكين".

        قال ابن قاضي الجبل عن هذين الأثرين: "وهذا ظاهر في مطلق نقل الملك عند رجحان المصلحة".

        (254) 6- ما رواه البخاري من طريق صالح بن كيسان قال : حدثنا [ ص: 21 ] نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما "أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل ....

        وجه الاستدلال: أن اللبن والجذوع التي كانت وقفا أبدلها الخلفاء الراشدون بغيرها، وهذا من أعظم ما يشتهر من القضايا ولم ينكره منكر، ولا فرق بين إبدال البناء ببناء، وإبدال العرصة بعرصة إذا اقتضت المصلحة ذلك.

        7- حديث جابر رضي الله عنه أن رجلا قال يوم الفتح : يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: "صل هاهنا" فسأله، فقال: "صل هاهنا"، فسأله فقال : "شأنك إذا".

        وجه الدلالة : ففي الحديث إبدال المنذور بخير منه ، وكذا الوقف.

        8- ما رواه أبي بن كعب رضي الله عنه قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا ، فمررت برجل، فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض، فقلت له : أد ابنة مخاض فإنها صدقتك ، فقال : ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها، فقلت له : ما أنا بآخذ ما لم أومر به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم منك قريب، فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل، فإن قبله منك قبلته، وإن رده عليك رددته ، قال : فإني فاعل، فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض علي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا نبي الله ، أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي، وايم الله ما قام في مالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رسوله قط قبله، فجمعت له مالي فزعم أن ما علي فيه ابنة مخاض وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وقد عرضت عليه ناقة فتية [ ص: 22 ] عظيمة ليأخذها فأبى علي، وها هي هذه قد جئتك بها يا رسول الله فخذها، قال : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضها، ودعا له في ماله بالبركة".

        وجه الدلالة: دل الحديث على استحباب إبدال الزكاة بخير منها، فإذا وجبت مثلا بنت مخاض فأدى بنت لبون، أو وجبت بنت لبون فأدى حقة، أجزأ، وكذا الوقف .

        قال ابن قاضي الجبل : "ويتناول بمعناه الأعيان الموقوفات إذا ظهرت مصلحة الاستبدال بها على غيرها".

        (255) 9- ما رواه مسلم من طريق نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إن امرأة اشتكت شكوى فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس، فبرأت، ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تسلم عليها، فأخبرتها ذلك، فقالت : اجلسي فكلي ما صنعت ، وصلي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا مسجد الكعبة"

        10 - إلحاق محل النزاع بمحل الإجماع، حيث إن الفرس الحبيس ونحوه إذا كان عاطلا عن الصلاحية للجهاد جاز بيعه بالإجماع، وإن كان فيه نفع من وجه آخر من الحمل ونحوه، ومن المعلوم أن الفرس الحبيس ونحوه لو لم يبق فيه نفع مطلقا لما أمكن بيعه; إذ لا يجوز بيع ما لا نفع فيه ، فعلم [ ص: 23 ] أن منفعته ضعفت وجاز الاستبدال بأرجح منه، فعلم أن ذلك دائر مع رجحان المصلحة في جنس الاستبدال .

        11 - أنه جاز للحاجة تحلي النساء بالذهب والحرير، والتداوي بالذهب والحرير، وهذا لكمال الانتفاع، لا للضرورة التي تبيح الميتة، ونحوها، وكذا هنا يباع الوقف لكمال الانتفاع.

        12 - أن الأعيان الموقوفة كالدور، والمزارع، والمنقولات إنما وقفت ليعود ريعها على مستحقيه جريا على مناهج المعروف، وطلبا لإيصال الريع إلى مستحقيه، فالمطلوب من ذلك وصول النماء إلى أهله ووقوعه في أيدي مستحقيه مع زيادته واستنمائه ، فإذا ظهرت المصلحة في زيادة الريع وتنمية المغل، ولم يعارض معارض ظهرت مصلحة الاستبدال طلبا لتنمية المصالح، وتكميلا للمقاصد.

        13 - القياس على النذر الذي يوجبه الإنسان على نفسه، ويكون له أن يأتي بالبدل الأفضل ليقوم مقام هذا النذر، وكذا الحكم في الأضحية والهدي، وهو ما يمكن قياس إبدال الوقف عليه.

        14- أن هذا استبقاء للوقف بمعناه عند تعذر إبقاء صورته ، بل استبقاء للوقف في أحسن أحواله فيما يكون الاستبدال فيه للغبطة; إذ الجمود على العين مع تعطلها أو ضعفه تضييع للغرض من الوقف، وترك الاستبدال المتحقق المصلحة مخالف لمقصود الوقف ومصالح الواقف والموقوف عليه . [ ص: 24 ]

        أدلة القول الثاني: (عدم جواز الاستبدال) :

        استدل لهذا القول بما يلي:

        1- ما جاء في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه :

        "تصدق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره".

        وجه الاستدلال : هذا الحديث صريح في منع بيع الوقف، وهذا مطلق.

        ونوقش هذا الاستدلال من وجهين :

        الوجه الأول: أن المراد ببيع الوقف الممنوع في هذا الحديث البيع المبطل لأصل الوقف الذي لا يقام مقامه شيء، وإنما بيع ليؤكل، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قرنه بالهبة والوراثة .

        قال ابن قاضي الجبل : "فالبيع والحالة هذه لا يجوز إجماعا; لأن فيه إبطالا لأصل الوقف، وذلك لا يجوز عند العلماء المجمعين على صحة الوقف ولزومه، وإذا حمل البيع على هذا المعنى لم يتخصص بحال، فإن أحدا لا يجوز بيعه ليؤكل ثمنه".

        الوجه الثاني: على تقدير أن المراد منع مطلق البيع ولو أقيم غيره مقامه ، فإنه يقال : إن اللفظ مطلق دخله التقييد بحال التعطل أو رجحان المصلحة، فيحمل المنع على غير ذلك ; لما سبق من أدلة أصحاب القول الأول، فلا يمنع من الخروج عن أصل منع البيع للوقف لمقتض كما خرجت مسائل قد أجمع عليها .

        وما سيأتي إن شاء الله في مسألة الاستبدال عند التعطل . [ ص: 25 ]

        قال ابن قاضي الجبل : "...وهذا لأن قوله : لا يباع نهي أو نفي، وهو قابل للتخصيص أو التقييد في الأزمان والأحوال".

        2- حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: أهدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه نجيبا فأعطي بها ثلاثمئة دينار، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله إني أهديت نجيبا، فأعطيت بها ثلاثمئة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال : لا ، انحرها إياها .

        وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عمر رضي الله عنه عن استبدال الهدي، وهذا يدل على عدم جوازه، فكذلك الوقف قياسا عليه.

        ونوقش من ثلاثة وجوه:

        الوجه الأول: أنه ضعيف، كما في تخريجه .

        الوجه الثاني: أن هذه القصة قضية عين ليس فيها النهي عن الإبدال مطلقا، مع أن الإبدال ليس هو قول المجيزين إنما أجازوا الإبدال بالأفضل، وليس في الحديث منع الإبدال بالأفضل.

        الوجه الثالث: على تقدير صحة هذا الحديث، فقد قال ابن قاضي الجبل : "بأن فرض المسألة كون العين التي وقع الاستبدال بها أرجح من الوقف وأولى، والعين التي أراد عمر رضي الله عنه الاستبدال بها ليست أرجح من النجيبة بالنسبة إلى التقرب إلى الله سبحانه وتعالى ، بل النجيبة كانت راجحة على ثمنها ، وعلى البدن المشتراة به; لأن خير الرقاب أغلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها ، والمطلوب أعلى ما يؤخذ فيما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى " . [ ص: 26 ]

        الوجه الرابع : قال ابن قاضي الجبل أيضا: "بأنه لا يلتزم عدم جواز الاستبدال في الأوقاف عند رجحان المصالح; لأن الوقف مراد لاستمرار ريعه، ودوام غلته بخلاف الهدي والأضحية"..

        الوجه الخامس : أن المنع كان لمعنى في هذا الهدي، كما قال أبو داود عقب روايته الحديث: "هذا لأنه كان أشعرها "

        3- أن بيع الوقف حرام، فلا يباع إلا لضرورة، ولا ضرورة لقيام المنفعة؟.

        ونوقش : بأنه استدلال في محل النزاع، فبيع الوقف المحرم البيع الذي يؤدي إلى إبطال الوقف.

        4- قياس الموقوف على الحر المعتق، فكما أن العتيق الحر لا يقبل الرق بعد عتقه ، فكذلك العين الموقوفة لا تقبل الملك بعد صحة الوقف ".

        ونوقش: بأن الهدي الواجب والنذر قد زال ملكه عنه، ويجوز التصرف فيه بالذبح قبل محله، وكذلك إذا نذر التصدق بدراهم بعينها جاز إبدالها بغيرها، وكذلك إذا جعل داره هديا إلى الكعبة جاز بيعها وصرف ثمنها إلى الكعبة، فأما العبد إذا أعتقه فلا سبيل إلى إعادة المالية فيه بعد عتقه ; لأنه إتلاف للمالية بخلاف مسألتنا هذه فإن المالية فيه ثابتة، وإنما المنافع هي المقصود، فتوصل بماليته إلى حصول فائدته بإبدال وبيعه، فصار شبهه بالهدي إذا عطب أولى من شبهه بالعبد إذا أعتق.

        5- أن استبدال الوقف إذا تعطلت منافعه إنما هو استبقاء للوقف بمعناه [ ص: 27 ] حيث امتنع بقاء صورته، وتعذر الانتفاع به كما شرط الواقف، فشرع الاستبدال حينئذ .

        ويجاب: بأنه كما يقال بجواز الاستبدال عند تعطل الوقف كليا تحقيقا لاستبقاء الوقف بمعناه، يلزم كذلك القول باستبدال الوقف فيما يحقق الغبطة والمصلحة ; لأن هذا استبقاء له وزيادة، كما أن المقصود فيهما تحقيق النفع للوقف، وهو مآل الصورتين ، فلا فرق بينهما .

        6- أن الاستبدال إنما يجوز للضرورة، فوجب الاقتصار عليه.

        وأجيب عن ذلك :

        أ- أن قصر الاستبدال على الضرورة دعوى لا دليل عليها، وقد ثبت الاستبدال ولم يكن خاصا بالضرورة، بل وقع الاستبدال فيما هو أنفع وأصلح كما في نقل مسجد الكوفة إلى مكان آخر، وجعل الأول سوقا للتمارين، وذلك كله إنما فعل تحقيقا للمصلحة الراجحة لا لأجل تعطل منفعة ذلك المسجد، فإنه لم يتعطل بل لا زال باقيا يمكن أداء الصلاة فيه، وإنما نقل لمصلحة بيت المال، فدل على أن النقل يجوز ما دام محققا للأصلح وإن لم يتعطل.

        ب - أن بيع الوقف في عامة المواضع التي ثبت فيها الاستبدال لم يكن إلا مع قلة النفع لا مع التعطل الكامل، فالمتعطل بالكلية لا نفع فيه، وعليه لا يمكن استبداله .

        ج- أن القائلين بهذا القول إنما أجازوا البيع لما تعطلت منافعه بالكلية [ ص: 28 ] للضرورة كما ذكروا في دليلهم، وعليه فقد قرروا أن المبيع لا نفع فيه، ومن المتقرر أن بيع ما لا منفعة فيه لا يجوز".

        فدل على ربط الاستبدال بالضرورة وما لا نفع فيه لا يسلم بوقوعها، ولو أمكن وقوعها لكانت ممنوعة شرعا.

        د- أنه لا ضرورة في بيع الوقف، وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن هذه ليست ضرورة ; إذ لا يحصل بعدمها موت أو مرض أو عجز عن الواجبات ، إنما هي حاجة لتحميل المنفعة; إذ المنفعة الناقصة يحصل معها عذر يدعو إلى كمالها، وعليه فالاستبدال مشروع لكل ما كان أنفع للوقف.

        ولا يسلم بهذا الإيراد على إطلاقه; إذ الحفاظ على الأوقاف قائمة منتجة من حفظ المال، كيف وهذا المال هو الوقف الذي عهد إليه الإسهام في تنمية المجتمع وسد حاجته .

        هـ - وعلى التسليم بصحة الاحتجاج بالضرورة فإن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة، واستبدال الأوقاف ولو لم تتعطل لتحقيق الأحظ من قبيل الحاجة العامة، فيكون لها حكم الضرورة الخاصة .

        الترجيح:

        الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة . والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بملكية الناظر لاستبدال الوقف إذا كان هناك مصلحة راجحة ; لقوة ما استدلوا به، ولما في ذلك من المصلحة الظاهرة للموقوف عليه، [ ص: 29 ] ولا شك أن التصرف في الوقف منوط بالمصلحة، ولأن ذلك وسيلة إلى استمرار الوقف إذا قام المولى عليه بذلك خير قيام.

        وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: "والذي يظهر لنا بيع الوقف لاختلاله وقلة مغله، ووجود الغبطة والمصلحة في بيعه ليشترى به أصلح منه للوقف"، كما اختار ذلك الشيخ تقي الدين ابن تيمية وابن القيم، وأفتى به علماء الدعوة، وعليه العمل، ودليله واضح; لما روي أن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد لما بلغه أن بيت المال الذي بالكوفة نقب: "أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصل، وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه".

        فرع:

        ومن صور ذلك: إبدال المستقل بآخر مشترك:

        إن من طرق تنمية الوقف استثماره بمشاركته لغيره، ومن صور هذه المشاركة أن يتم إبدال الوقف المستقل بآخر مشترك، وذلك بأن يتم تغيير الوقف ببيعه ليتم إبداله بجزء يشارك الوقف فيه غيره بما يعود على الوقف بالحفظ والنماء.

        لذا فإن من أهم ضوابط مشروعية الاستثمار في مثل هذه الصورة - مع مراعاة ما سبق من ضوابط لاستبدال الوقف - ما يأتي :

        1- أن تكون هناك ضمانات تتعلق بتسجيل العقار باسم الوقف لا يكون سببا في ضياع أصله، وينبه هنا أن هذا الاحتياط واجب في فاضل ريع الوقف المستبدل بمشترك كما يجب في أصله .

        2- كما ينبغي ضبط مشروعية هذه الصورة بإمكان انفصال الوقف بما يملكه دون أن تكون هذه المشاركة للغير دائمة بتضمنها شروطا تمنع ذلك، [ ص: 30 ] إلا أن هذا القيد ينبه إليه عندما يكون الشريك للوقف غير ممتلكات الأوقاف الأخرى.

        3- كما يجب ملاحظة شرط الواقف، واتحاد الجهة الموقوف عليه من عدمه .

        التالي السابق


        الخدمات العلمية