الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                        صفحة جزء
                                        أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير .

                                        (ح) ويزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، وعثمان بن كعب بن يهوذا، أحد بني قريظة، عن رجال من قومه قال: قال معتب بن قشير، أخو بني عمرو بن عوف: وكأن محمدا يرى أن نأكل من كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط.

                                        وحتى قال أوس بن قيظي على ملأ من قومه من بني حارثة: إن بيوتنا عورة، وهي خارجة من المدينة، ائذن لنا فنرجع [ ص: 436 ] إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا، فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم حين فرغ عنهم ما كانوا فيه من البلاء يذكر نعمة الله عليهم وكفايته إياهم بعد سوء الظن منهم، ومقالة من قال من أهل النفاق: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ، أي من فوقكم، فأرسل الله عليهم ريحا وجنودا لم تروها، فكانت الجنود قريشا وغطفان وبني قريظة، وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح الملائكة، إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم إلى قوله: الظنونا ، فالذين جاؤوكم من فوقكم بنو قريظة، والذين جاؤوا أسفل منهم قريش، وغطفان، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا إلى قوله: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا لقول معتب بن قشير وأصحابه: وقالت طائفة يا أهل يثرب إلى قوله: إلا فرارا لقول أوس بن قيظي ومن كان معه على ذلك من قومه.

                                        فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركون بضعا وعشرين ليلة، فبينما الناس على ذلك من الخوف والبلاء، ولم يكن قتال إلا الحصار والرميا بالنبل زاد أبو عبد الله في روايته عن ابن إسحاق بإسناده: إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ود، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب، وهبيرة بن أبي وهب، تلبسوا للقتال، وخرجوا على خيولهم، حتى مروا على منازل بني كنانة وقفوا فقالوا: تهيؤوا للحرب يا بني كنانة، فستعلمون من الفرسان اليوم، ثم أقبلوا تعيق بهم خيلهم، حتى وقفوا على الخندق فقالوا: والله إن هذه لمكيدة، ما كانت العرب تكيدها [ ص: 437 ] .

                                        ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا، فضربوا خيولهم فاقتحموا، فجالت في سبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي رضي الله عنه في نفر معه من المسلمين، حتى أخذ عليهم الثغرة التي منها اقتحموا، فأقبلت الفوارس تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود فارس قريش، وكان قد قاتل يوم بدر حتى ارتث، وأثبتته الجراحة، فلم يشهد أحدا، فلما كان الخندق خرج معلما ليرى مشهده، فلما وقف هو وخيله، قال علي رضي الله عنه: يا عمرو، قد كنت تعاهد الله لقريش ألا يدعو رجل إلى خلتين إلا قبلت منه إحداهما، فقال عمرو: أجل، فقال له علي: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله والإسلام، فقال: لا حاجة لي في ذلك، قال: فإني أدعوك إلى البراز، قال له: يا ابن أخي لم؟ فوالله ما أحب أن أقتلك، فقال علي رضي الله عنه: لكني والله لأحب أن أقتلك، فحمي عمرو، فاقتحم عن فرسه فعقره، ثم أقبل فجاء إلى علي فتنازلا، وتجاولا، فقتله علي، وخرجت خيلهم منهزمة هاربة، حتى اقتحمت من الخندق.

                                        وذكر ابن إسحاق خروجهم، ودعاء عمرو إلى البراز على وجه آخر في الإسناد الذي ذكرناه، فقال: وكان ممن خرج يوم الخندق هبيرة بن أبي وهب المخزومي، واسم أبي وهب جعدة، وخرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي يسأل المبارزة، فخرج إليه الزبير بن العوام رضي الله عنه، فضربه ضربة فشقه اثنتين، حتى فل في سيفه فلا، فانصرف وهو يقول:


                                        إني امرؤ أحمي وأحتمي عن النبي المصطفى الأمي

                                        [ ص: 438 ] وذكر ابن إسحاق في موضع آخر من هذا الكتاب أن عليا طعنه ترقوته، حتى أخرجها من مراقه، فمات في الخندق، وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال صلى الله عليه وسلم: "هو لكم، لا نأكل ثمن الموتى" .

                                        قال: وخرج عمرو بن عبد ود فنادى: من يبارز؟ فقام علي رضي الله عنه، وهو مقنع في الحديد أظنه عمرا، فقال: أنا لها يا نبي الله، فقال: "إنه عمرو اجلس" ، ونادى عمرو: ألا رجل؟ وهو يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إلي رجلا؟ فقام علي فقال: أنا يا رسول الله، فقال: "اجلس" ، ثم نادى الثالثة فقال:


                                        ولقد بححت من النداء     بجمعكم: هل من مبارز
                                        ووقفت إذ جبن المشجع     موقف القرن المناجز
                                        ولذاك إني لم أزل     متسرعا قبل الهزاهز
                                        إن الشجاعة في الفتى     والجود من خير الغرائز

                                        فقام علي فقال: يا رسول الله، أنا، فقال: "إنه عمرو" ، قال: وإن كان عمرا، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمشى إليه حتى أتاه وهو يقول:


                                        لا تعجلن فقد أتا     ك مجيب صوتك غير عاجز
                                        ذو نية وبصيرة     والصدق منجى كل فائز
                                        إني لأرجو أن أقيـ     ـم عليك نائحة الجنائز
                                        من ضربة نجلاء يبـ     ـقى ذكرها عند الهزاهز

                                        فقال له عمرو: ومن أنت؟ قال: أنا علي، قال: ابن عبد مناف؟ فقال [ ص: 439 ] : علي بن أبي طالب ، فقال: غيرك يا ابن أخي، ومن أعمامك من هو أسن منك، فأنا أكره أن أهريق دمك، فقال علي رضي الله عنه: لكني والله ما أكره أن أهريق دمك، فغضب، فنزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبا، واستقبله علي رضي الله عنه بدرقته فضربه، وعمرو في الدرقة فقدها، وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي على حبل العاتق فسقط، وثار العجاج، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير، فعرف أن عليا قد قتله، فتم علي رضي الله عنه يقول:


                                        أعلي تقتحم الفوارس هكذا     عني وعنهم أخروا أصحابي
                                        اليوم يمنعني الفرار حفيظتي     ومصمم في الرأس ليس بنابي

                                        فذكر أبياتا آخرهن:


                                        عبد الحجارة من سفاهة عقله     وعبدت رب محمد بصواب

                                        ثم أقبل علي رضي الله عنه نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يتهلل، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خير منها، فقال: ضربته فاتقاني بسواده، فاستحييت ابن عمي أن أستلبه، وخرجت خيوله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق.


                                        التالي السابق


                                        الخدمات العلمية