الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَيْسَ : مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مُحِبٌّ وَمُبْغِضٌ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَكُنْ مَعَ أَهْلِ طَاعَةِ اللَّهِ وَقِيلَ لِلْحَسَنِ : يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّ قَوْمًا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَكَ لَيْسَ بُغْيَتُهُمُ إِلَّا تَتَبُّعَ سَقَطَاتِ كَلَامِكَ وَتَعْنِيتَكَ بِالسُّؤَالِ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ لِلْقَائِلِ : هَوِّنْ عَلَى نَفْسِكَ فَإِنِّي حَدَّثْتُ نَفْسِي بِسُكْنَى الْجِنَانِ وَمُجَاوَرَةِ الرَّحْمَنِ فَطَمِعَتْ وَمَا حَدَّثْتُ نَفْسِي بِالسَّلَامَةِ مِنَ النَّاسِ لِأَنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ خَالِقَهُمْ وَرَازِقَهُمْ وَمُحْيِيَهِمْ وَمُمِيتَهُمْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ . وَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَا رَبِّ احْبِسْ عَنِّي أَلْسِنَةَ النَّاسِ فَقَالَ يَا مُوسَى هَذَا شَيْءٌ لَمْ اصْطَفِهِ نَفْسِي فَكَيْفَ أَفْعَلُهُ بِكَ ؟! وَأَوْحَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى عُزَيْرٍ إِنْ لَمْ تَطِبْ نَفْسًا بِأَنِّي أَجْعَلُكَ عِلْكًا فِي أَفْوَاهِ الْمَاضِغِينَ لَمْ أَكْتُبْكَ عِنْدِي مِنَ الْمُتَوَاضِعِينَ . فَإِذَنْ مَنْ حَبَسَ نَفْسَهُ فِي الْبَيْتِ لِيُحَسِّنَ اعْتِقَادَاتِ النَّاسِ وَأَقْوَالِهِمْ فِيهِ فَهُوَ فِي عَنَاءٍ حَاضِرٍ فِي الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ فَإِذَنْ لَا تُسْتَحَبُّ الْعُزْلَةُ إِلَّا لِمُسْتَغْرِقِ الْأَوْقَاتِ بِرَبِّهِ ذِكْرًا وَفِكْرًا وَعِبَادَةً وَعِلْمًا بِحَيْثُ لَوْ خَالَطَهُ النَّاسَ لَضَاعَتْ أَوْقَاتُهُ وَكَثُرَتْ آفَاتُهُ وَلَتَشَوَّشَتْ عَلَيْهِ عِبَادَاتُهُ . فَهَذِهِ غَوَائِلُ خَفِيَّةٌ فِي اخْتِيَارِ الْعُزْلَةِ يَنْبَغِي أَنْ تَتَّقِي فَإِنَّهَا مُهْلِكَاتٌ فِي صُوَرِ مُنْجِيَاتٍ . إتحاف السادة المتقين (قَالَ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا لَهُ مُحِبٌّ وَمُبْغِضٌ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَكُنْ مَعَ أَهْلِ طَاعَةِ اللَّهِ) أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْآبُرِّيُّ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ (وَقِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: يَا أَبَا سَعِيدٍ) وَلَفْظُ الْقُوتِ: وَحَدَّثُونَا عَنْ إِمَامِ الْأَئِمَّةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ (إِنَّ قَوْمًا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَكَ لَيْسَ بُغْيَتُهُمُ) الْفَائِدَةَ مِنْكَ وَلَا الْأَخْذَ مِنْكَ (إِلَّا تَتَبُّعَ سَقَطَاتِ كَلَامِكَ) وَلَفْظُ الْقُوتِ: إِنَّمَا هِمَمُهُمْ تَتَبُّعُ سَقْطِ كَلَامِكَ (وَتَعَنُّتِكَ فِي السُّؤَالِ) لِيَعِيبُوكَ بِذَلِكَ (فَتَبَسَّمَ) الْحَسَنُ (وَقَالَ: هَوِّنْ عَلَى نَفْسِكَ) وَلَفْظُ الْقُوتِ: ثُمَّ قَالَ: هَوِّنْ عَلَيْكَ يَا ابْنَ أَخِي (فَإِنِّي حَدَّثْتُ نَفْسِي بِسُكْنَى الْجِنَانِ وَمُجَاوَرَةِ الرَّحْمَنِ فَطَمِعَتْ وَلَمْ تَطْمَعْ فِي السَّلَامَةِ مِنَ النَّاسِ) وَلَفْظُ الْقُوتِ: فَإِنِّي حَدَّثْتُ نَفَسِي بِسُكْنَى الْجِنَانِ فَطَمِعَتْ وَمَا حَدَّثْتُ نَفْسِي قَطُّ بِالسَّلَامَةِ مِنَ النَّاسِ (لِأَنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ خَالِقَهُمْ وَرَازِقَهُمْ وَمُحْيِيَهِمْ وَمُمِيتَهُمْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ) فَكَيْفَ أُحَدِّثُ نَفْسِي بِالسَّلَامَةِ مِنْهُمْ؟! (وَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَلَفْظُ الْقُوتِ وَبِمَعْنَاهُ مَا رُوِيَ عَنْ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّهُ قَالَ: (يَا رَبِّ احْبِسْ عَنِّي أَلْسِنَةَ النَّاسِ فَقَالَ) اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: يَا مُوسَى (هَذَا شَيْءٌ لَمْ أَصْطَفِهِ لِنَفْسِي فَكَيْفَ أَفْعَلُهُ بِكَ؟!) وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْقَائِلُ: قِيلَ إِنَّ الْإِلَهَ ذُو وَلَدٍ قِيلَ الرَّسُولُ قَدْ كَهَنَا مَا نَجَا اللَّهُ وَالرَّسُولُ مِنْ لِسَانِ الْوَرَى فَكَيْفَ أَنَا؟! (وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عُزَيْرٍ) مُصَغَّرًا نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَقَرَأَ السَّبْعَةُ بِالصَّرْفِ وَتَرْكِهِ (إِنْ لَمْ تَطِبْ نَفْسًا بِأَنْ أَجْعَلَكَ عِلْكًا) بِكَسْرِ الْعَيْنِ كُلُّ صَمْغٍ يُعْلَكَ لُبَانٌ وَغَيْرُهُ فَلَا يَسِيلُ (فِي أَفْوَاهِ الْمَاضِغِينَ لَمْ أَكْتُبْكَ عِنْدِي مِنَ الْمُتَوَاضِعِينَ) نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ (فَإِذًا مَنْ حَبَسَ نَفْسَهُ فِي الْبَيْتِ لِتَحْسِينِ اعْتِقَادَاتِ النَّاسِ وَ) تَحْسِينِ (أَقْوَالِهِمْ فِيهِ فَهُوَ فِي عَنَاءٍ حَاضِرٍ فِي الدُّنْيَا) لِأَجْلِ حَبْسِهِ (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ (فَإِذًا لَا تُسْتَحَبُّ الْعُزْلَةُ إِلَّا لِمُسْتَغْرِقِ الْأَوْقَاتِ لِرَبِّهِ ذِكْرًا أَوْ فِكْرًا) وَمُرَاقَبَةً (وَعِبَادَةً وَعِلْمًا بِحَيْثُ لَوْ خَالَطَ النَّاسَ لَضَاعَتْ أَوْقَاتُهُ أَوْ كَثُرَتْ آفَاتُهُ وَتَشَوَّشَتْ عَلَيْهِ عِبَادَتُهُ) وَلَمْ يَجِدْ فِي نَفْسِهِ جَمْعِيَّةٌ وَلَا لَقِيَهُ مَعَ الْحَقِّ حُضُورًا (فَهَذِهِ غَوَائِلُ) مَهَالِكُ (خَفِيَّةٌ فِي اخْتِيَارِ الْعُزْلَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُنَقَّى) وَيُحْذَرَ مِنْهَا (فَإِنَّهَا مُهْلِكَاتٌ فِي صُوَرِ مُنْجِيَاتٍ) وَالتَّحَرُّزُ مِنْهَا مِمَّا يَشْتَدُّ عَلَى السَّالِكِ لِكَوْنِهِ أَبَدًا فِي مُجَاهَدَةٍ لَا يَنْفَكُّ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية