الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فهذه جمل آداب تنبه على آداب المعاشرة مع عموم الخلق .

والجملة الجامعة فيه أن لا تستصغر منهم أحدا حيا كان أو ميتا فتهلك لأنك لا تدري لعله خير منك فإنه وإن كان فاسقا فلعله يختم لك بمثل حاله ويختم له بالصلاح ولا تنظر إليهم بعين التعظيم لهم في حال دنياهم فإن الدنيا صغيرة عند الله صغير ما فيها .

ومهما عظم أهل الدنيا في نفسك فقد عظمت الدنيا فتسقط من عين الله .

ولا تبذل لهم دينك لتنال من دنياهم فتصغر في أعينهم ثم تحرم دنياهم فإن لم تحرم كنت قد استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير .

ولا تعادهم بحيث تظهر العداوة فيطول الأمر عليك في المعاداة ويذهب دينك ودنياك فيهم ويذهب دينهم فيك إلا إذا رأيت منكرا في الدين فتعادي أفعالهم القبيحة وتنظر إليهم بعين الرحمة لهم لتعرضهم لمقت الله وعقوبته بعصيانهم فحسبهم جهنم يصلونها فما لك تحقد عليهم ؟! ولا تسكن إليهم في مودتهم لك وثنائهم عليك في وجهك وحسن بشرهم لك فإنك إن طلبت حقيقة ذلك لم تجد في المائة إلا واحدا وربما لا تجده .

ولا تشك إليهم أحوالك فيكلك الله إليهم ولا تطمع أن يكونوا لك في الغيب والسر كما في العلانية فذلك طمع كاذب وأنى تظفر به ؟! ولا تطمع فيما في أيديهم فتستعجل الذل ولا تنال الغرض .

ولا تعل عليهم تكبرا لاستغنائك عنهم فإن الله يلجئك إليهم عقوبة على التكبر بإظهار الاستغناء .

وإذا سألت أخا منهم حاجة فقضاها فهو أخ مستفاد وإن لم يقض فلا تعاتبه فيصير عدوا تطول عليك مقاساته .

ولا تشتغل بوعظ من لا ترى فيه مخايل القبول فلا يسمع منك ويعاديك وليكن وعظك عرضا واسترسالا من غير تنصيص على الشخص .

ومهما رأيت منهم كرامة وخيرا فاشكر الله الذي سخرهم لك واستعذ بالله أن يكلك إليهم .

وإذا بلغك عنهم غيبة أو رأيت منهم شرا أو أصابك منهم ما يسوءك فكل أمرهم إلى الله واستعذ بالله من شرهم .

ولا تشغل نفسك بالمكافأة فيزيد الضرر ويضيع العمر بشغله .

ولا تقل لهم لم تعرفوا موضعي .

وأعتقد أنك لو استحقيت ذلك لجعل الله لك موضعا في قلوبهم فالله المحبب والمبغض إلى القلوب وكن فيهم سميعا لحقهم أصم عن باطلهم نطوقا بحقهم صموتا عن باطلهم .

واحذر صحبة أكثر الناس فإنهم لا يقيلون عثرة ولا يغفرون زلة ولا يسترون عورة ويحاسبون على النقير والقطمير ويحسدون على القليل والكثير ينتصفون ولا ينصفون ويؤاخذون على الخطأ والنسيان ولا يعفون يغرون الإخوان على الإخوان بالنميمة والبهتان فصحبة أكثرهم خسران وقطيعتهم رجحان إن رضوا فظاهرهم الملق وإن سخطوا فباطنهم الحنق لا يؤمنون في حنقهم ولا يرجون في ملقهم ظاهرهم ثياب وباطنهم ذئاب يقطعون بالظنون ويتغامزون وراءك بالعيون ويتربصون بصديقهم من الحسد ريب المنون يحصون عليك العثرات في صحبتهم ليواجهوك بها في غضبهم ووحشتهم ولا تعول على مودة من لم تخبره حق الخبرة بأن تصحبه مدة في دار أو موضع واحد فتجربه في عزله وولايته وغناه وفقره أو تسافر معه أو تعامله في الدينار والدرهم أو تقع في شدة فتحتاج إليه فإن رضيته في الأحوال فاتخذه أبا لك إن كان كبيرا أو ابنا لك إن كان صغيرا أو أخاك إن كان مثلك .

فهذه جملة آداب المعاشرة مع أصناف الخلق .

التالي السابق


(فهذه جمل تنبه) الغافل (على آداب المعاشرة مع عموم الخلق) وأصنافهم (والجملة الجامعة لمعرفتها أن لا تستصغر منهم أحدا) أي: لا تستحقره (حيا أو ميتا فتلك لأنك لا تدري لعله) أي: الذي يستصغره (خير منك فإنه وإن كان فاسقا فلعله يختم لك بمثل حاله) وهو الفسق (ويختم له بالصلاح) فإن الخاتمة تتضمن .. على الأعمال (وتنظر إليهم بعين التعظيم لهم في حال دنياهم) أي: أمورها إلا ما استثني منها بل إنها لا تسوى عند الله جناح بعوضة كما ورد في الخبر (ومهما عظم أهل الدنيا في نفسك) وعينك (فقد عظمت الدنيا) لأنه لازم من تعظيم أهلها لأجلها تعظيمها (فتسقط من عين الله عز وجل) أي: تبعد عن رحمته .

(ولا تبذل لهم دينك) الذي هو رأس مالك (لتنال من دنياهم) التي بأيديهم (فتصغر في أعينهم) وتزول هيبتك عندهم (ثم تحرم دنياهم) أي: لا يعطونك منها (فإن لم تحرم كنت قد استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير) ، وفي هذا سئل ابن المبارك عن حاله فأنشد:


نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع



(ولا تعادهم بحيث تظهر العداوة) وتجاهر بها (فيذهب دينك ودنياك فيهم ويذهب دينهم فيك) فإن من لازم عداوتهم أن يعادوه، ومعاداة أهل الإيمان محاربة الله ورسوله فتكون أنت سببا في ذلك (إلا إذا رأيت منكرا) شرعيا (في الدين فتعادي أفعالهم القبيحة) لا ذواتهم (وتنظر إليهم بعين الرحمة لهم) والشفقة عليهم (لتعرضهم لمقت الله وعقوبته بعصيانهم) وتمردهم على الله (حسبهم جهنم يصلونها) أي: يدخلونها (فما لك تحقد عليهم؟!) أي: فمثل هؤلاء لا يحقدون (ولا تسكن إليهم في مودتهم لك) إن أظهروها (و) حسن (ثنائهم) لك و (عليك في وجهك) في ملأ من الناس (وحسن بشرهم لك) عند الملتقى (فإنك إن طلبت حقيقة ذلك لم تجد في المائة إلا واحدا وربما لا تجده) ففي الخبر "الناس كالإبل المائة لا تجد فيها راحلة" .

(و) إن بليت بمعاشرهم (لا تشكو إليهم أحوالك فيكلك الله إليهم) فتخسر عاقبتهم، فإن من وكله الله إلى غيره فقد هلك (ولا تطمع أن يكونوا لك في الغيبة والسر كما) يكونوا لك (في العلانية فإن ذلك طمع كاذب) وسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء (وأنى تظفر بذلك؟!) فإنه كالمحال (ولا تطمع فيما بين أيديهم) من الأموال والأرزاق (فتستعجل الذل) والهوان عندهم (ولا تنال الغرض) المطلوب منهم .

(ولا تصد عنهم بكثرة استغنائك عنهم فإن الله يلجئك إليهم) ويضرك لهم (عقوبة على الكبر بإظهار الاستغناء) وقد جرت سنة الله بذلك (وإذا سألك أحدا منهم حاجة) دنيوية (فقضاها فهو أخ مستفاد) فتمسك به (وإن لم يقض) لمانع (فلا تعاقبه فيصير) لك (عدوا) يحقد عليك في نفسه (تطول عليك مقاساته) وتصعب معالجته (ولا تشتغل بوعظ من ترى فيه) لوائح (القبول) بقرائن ظاهرة (فلا يسمع منك) قولك (ويعاديك وليكن وعظك) لهم (عرضا) تعرضه عليهم (واسترسالا من غير تنصيص) ولا تخصيص (على الشخص) بعينه كما كان -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك، فكان يقول إذا أراد التحذير عن شيء بلغه عن بعض أفراد أمته: "ما بال رجال يقولون كذا ويفعلون كذا".

(ومهما رأيت منهم كرامة) أي: إكراما لك (وخيرا) وصل إليك (فاشكر الله الذي سخر لك) فانقادوا (واستعذ بالله أن يكلك إليهم) فتنسى المنعم المطلق (فإذا بلغت عنهم غيبة) أي: كلمة سوء في حق أحد من المسلمين (أو رأيت منهم شرا) [ ص: 304 ] لجماعة المسلمين (أو أصابك منهم ما يشوش) القلب والخاطر (فكل أمرهم إلى الله واستعذ بالله من شرهم ولا تشغل نفسك بالمكافأة) أي: المجازاة (فيزيد الضرر) ويطير الشرر (ويضيع العمر بشغله ولا تقل لهم) أنتم (لم تعرفوا موضعي) من الحب (واعتقد أنك لو استحقيت ذلك لجعل الله لك موضعا في قلوبهم) ومهابة في عيونهم (فالله) -عز وجل- هو (المحبب المبغض إلى القلوب) وقلوبهم بيده يصرفها كيف شاء (وكن فيهم سميعا لحقهم) فأعطه ما يستوجبه .

(أصم عن باطلهم) ولغوهم (نطوقا) أي: كثير النطق (بحقهم صموتا) كثير السكوت (عن باطلهم) فإنه لا يعنيك (واحذر صحبة أكثر الناس فإنهم لا يقيلون عثرة) أي: سقطة (ولا يغفرون زلة) أي: خطيئة (ولا يسترون عورة) أي: عيبا (ويحاسبون على النقير والقطمير) أي: الشيء التافه الحقير (ويحسدون على القليل والكثير ينتصفون) لأنفسهم من غيرهم (ولا ينصفون) في أنفسهم للغير (ويؤاخذون على الخطأ والنسيان) ويدققون (ويعفون) ويسامحون .

(يعيرون) ولا يغيرون (ويمشون بين الإخوان بالنميمة والبهتان فصحبة أكثرهم خسران) واتباع لهوى الشيطان (وقطيعتهم رجحان) والعزلة عنهم سلامة الإنسان (إن رضوا فظاهرهم الملق) بالتحريك (وإن سخطوا فباطنهم الحنق) بالتحريك أيضا وهو الاغتياظ (ولا يؤمنون في حنقهم) فإنه يخشى من بوادرهم (ولا يرجون في ملقهم) أي: تملقهم (ظاهرهم ثياب) فاخرة (وباطنهم ذئاب) كاسرة (يقطعون بالظنون) ويتهمون (ويتغامزون وراءك بالعيون) أي: إذا قمت من عندهم (ويتربصون) أي: ينتظرون (بصديقهم من) أجل (الحسد ريب المنون) أي: الهلاك (يحصون عليك العثرات) أي: يعدونها (في صحبتهم ليهجوك) وفي نسخة: ليبهجوك (بها في) وفي نسخة: عند (غضبهم ووحشتهم ولا تعول) أي: لا تعتمد (على مودة من لم تخبره حق الخبرة إلا بأن تصحبه مدة في دار أو موضع واحد وتجربه في) حالتي (عزله وولايته وغناه وفقره) وعسره ويسره (أو تسافر معه) إلى موضع آخر (أو تعامله له في الدينار والدرهم أو تقع في شدة فتحتاج إليه) وقد مر بعض ذلك من قول سيدنا عمر -رضي الله عنه- (فإن رضيته) في هذه الأحوال واختبرته خبرة الرجال (فاتخذه أبا لك إن كان كبيرا) فوقره توقير الأب (أو ابنا) لك (إن كان صغيرا) فعامله معاملة الشفقة (أو أخا إن كان مثلا لك) في السن، وقد روي مثل ذلك من قول الحسن بن علي -رضي الله عنهما .

(فهذه جملة آداب المعاشرة مع أصناف الخلق) على نياتهم واختلاف طبقاتهم. والله أعلم .




الخدمات العلمية