الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ويروى أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام هل عملت لي عملا قط ؟ فقال : إلهي إني صليت لك ، وصمت وتصدقت وزكيت فقال : إن الصلاة لك برهان ، والصوم جنة ، والصدقة ظل والزكاة نور ، فأي عمل عملت لي قال يا موسى ؟ : إلهي دلني على عمل هو لك ، قال : موسى هل واليت لي وليا قط وهل عاديت في عدوا قط فعلم موسى أن أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه لو أن رجلا قام بين الركن والمقام يعبد الله سبعين سنة لبعثه الله يوم القيامة مع من يحب .

وقال الحسن رضي الله عنه مصارمة الفاسق قربان إلى الله وقال رجل لمحمد بن واسع : إني لأحبك في الله فقال أحبك ما الذي أحببتني له ، ثم حول وجهه وقال : اللهم أني أعوذ بك أن أحب فيك وأنت لي مبغض .

ودخل رجل على داود الطائي فقال له : ما حاجتك ؟ فقال : زيارتك ، فقال : أما أنت فقد عملت خيرا حين زرت ، ولكن انظر ماذا ينزل بي أنا إذا قيل لي من أنت فتزار ؟ أمن الزهاد أنت ؟ لا والله ، أمن العباد أنت لا والله ، أمن الصالحين أنت ؟ لا والله .

ثم أقبل يوبخ نفسه ويقول : كنت في الشبيبة فاسقا ، فلما شخت صرت مرائيا ، والله للمرائي شر من الفاسق ، وقال عمر رضي الله عنه إذا أصاب أحدكم ودا من أخيه فليتمسك به ، فقلما يصيب ذلك .

وقال مجاهد المتحابون في الله إذا التقوا فكشر بعضهم إلى بعض تتحات عنهم الخطايا كما يتحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس .

وقال الفضيل نظر الرجل إلى وجه أخيه على المودة والرحمة عبادة .

التالي السابق


(ويروى) في الأخبار السالفة، (إن الله) تعالى (أوحى إلى موسى ) عليه السلام: يا موسى (هل عملت لي عملا قط؟ فقال: إلهي صليت إليك، وصمت) لك، (وتصدقت) لك، (وزكيت) لك، (فقال الله تعالى: إن الصلاة لك برهان، والصوم لك جنة، والصدقة لك ظل) يوم القيامة، (والزكاة) لك (نور، فأي عمل يا موسى عملته لي؟ قال موسى : إلهي دلني على عمل هو لك، قال: يا موسى هل واليت لي وليا أو عاديت لي عدوا) ، أي: لأجلي، (فعلم موسى ) عليه السلام (أن أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله ) ، نقله صاحب القوت .

(وقال ابن مسعود ) رضي الله عنه: (لو أن رجلا أقام بين الركن والمقام) هما معروفان من البيت، (يعبد الله سبعين سنة) ، وهو غالب أعمار هذه الأمة (لبعثه الله يوم القيامة مع من أحب) ، أي: فلينظر من يحبه ويخالله، (وقال الحسن) البصري رحمه الله تعالى: (مصارمة الفاسق) أي: مجافاته ومقاطعته (قربان إلى الله عز وجل) ، نقله صاحب القوت، ( وقال رجل لمحمد بن واسع : إني أحبك في الله، قال: أحبك الذي أحببتني لأجله، ثم حول وجهه وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أحب فيك وأنت لي مبغض ) ، أخرجه أبو نعيم في الحلية، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله المفتولي ، ثنا حاجب بن أبي بكر ، ثنا أحمد بن إبراهيم ، ثنا علي بن إسحاق ، ثنا ابن المبارك عن سفيان قال: قيل لمحمد بن واسع : إني أحبك في الله، قال: أحبك الذي أحببتني له، اللهم إني أعوذ بك أن أحب فيك وأنت لي به ماقت [ ص: 180 ] مبغض ، (ودخل رجل على) أبي سليمان (داود) بن نصير (الطائي) الكوفي رحمه الله تعالى، فقيه ثقة زاهد، مات سنة خمس وستين ومائة، روى له النسائي ، (فقال له: ما حاجتك؟ فقال: زيارتك، فقال: أما أنت فقد عملت خيرا حين زرت، ولكن انظر ماذا ينزل بي أنا إذا قيل لي من أنت فتزار؟ أمن الزهاد أنت؟ لا والله، أمن العباد أنت لا والله، أمن الصالحين أنت؟ لا والله، ثم أقبل يوبخ نفسه) ، ويعاتبها، (ويقول: كنت في الشبيبة فاسقا، فلما شخت) أي: صرت شيخا، (أصبحت مرائيا، والله للمرائي شر من الفاسق، وقال عمر) بن الخطاب رضي الله عنه: (إذا أصاب أحدكم ودا من أخيه فليتمسك به ، فقلما يصيب ذلك) ، ولفظ القوت: "إذا رأى أحدكم من أخيه ودا، والباقي سواء قال: وقد قال بعض الحكماء في معناه كلاما منظوما:


ما نالت النفس على بغية ألذ من ود صديق أمين من فاته ود أخ صالح
فذلك المقطوع منه الوتين



قلت: وفيه أيضا كلام الشاعر:


وإذا صفا لك من زمانك واحد نعم الزمان ونعم ذاك الواحد



ويروى من كلام عمر أيضا: ما أعطي عبد بعد الإسلام خيرا من أخ صالح" . (وقال مجاهد) بن جبر المكي التابعي، ثقة، إمام في التفسير وفي العلم، مات على رأس المائة عن ثلاث وثمانين، روى له الجماعة. (المتحابون في الله إذا التقوا فكشر بعضهم إلى بعض) ، أي: ضحك (تحاتت عنهم الخطايا) ، أي: تساقطت، (كما يتحاتا) يتساقط، (ورق الشجر في الشتاء إذا يبس) . أورده صاحب القوت عن أبي بشر ، عن مجاهد ، وأبو بشر هو جعفر بن إياس، ويعرف بابن أبي وحشية ، ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير ، وضعفه شعبة في مجاهد .

(وقال الفضيل) بن عياض رحمه الله تعالى: ( نظر الرجل إلى وجه أخيه على المودة والرحمة عبادة ) ، نقله صاحب القوت .




الخدمات العلمية