الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما نهاية السفر فبأحد أمور ثلاثة .

الأول الوصول إلى العمران من البلد الذي عزم على الإقامة به .

الثاني العزم على الإقامة ثلاثة أيام فصاعدا إما في بلد أو في صحراء .

الثالث : صورة الإقامة وإن لم يعزم كما إذا أقام على موضع واحد ثلاثة أيام سوى يوم الدخول لم يكن له الترخص بعده ، وإن لم يعزم على الإقامة وكان له شغل وهو يتوقع كل يوم إنجازه ولكنه يتعوق عليه ويتأخر فله أن يترخص وإن طالت المدة على أقيس القولين ; لأنه منزعج بقلبه ومسافر عن الوطن بصورته ولا مبالاة بصورة الثبوت على موضع واحد مع انزعاج القلب ، ولا فرق بين أن يكون هذا الشغل قتالا أو غيره ولا بين أن تطول المدة أو تقصر ، ولا بين أن يتأخر الخروج لمطر لا يعلم بقاؤه ثلاثة أيام أو لغيره إذ ترخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصر في بعض الغزوات ثمانية عشر يوما على موضع واحد .

وظاهر الأمر أنه لو تمادى القتال لتمادى ترخصه إذ لا معنى للتقدير بثمانية عشر يوما .

والظاهر ، أن قصره كان لكونه مسافرا لا لكونه غازيا مقاتلا ، هذا معنى القصر .

وأما معنى التطويل فهو أن يكون مرحلتين كل مرحلة ثمانية فراسخ وكل فرسخ ثلاثة أميال وكل ميل أربعة آلاف خطوة وكل خطوة ثلاثة أقدام .

التالي السابق


(أما نهاية السفر) الذي يقطع الترخص (فبأحد أمور ثلاثة [ ص: 430 ] الأول) العود إلى الوطن والضبط فيه أن يعود إلى الموضع الذي شرطنا مفارقته في إنشاء السفر منه، وفي معنى الوطن (الوصول إلى العمران من البلد الذي) سافر إليه إذا (عزم على الإقامة به) القدر المانع من الترخص فلو لم ينو الإقامة به ذلك القدر لم ينته سفره بالوصول إليه على الأظهر ولو حصل في طريقه في قرية أو بلدة له بها أهل وعشيرة فهل ينتهي سفره بدخولها قولان أظهرهما: لا .

الأمر (الثاني العزم على الإقامة ثلاثة أيام فصاعدا إما في بلد أو صحراء) أي: إذا نوى الإقامة في طريقه مطلقا انقطع سفره فلا يقصر فلو أنشأ السير بعد ذلك فهو سفر جديد فلا يقصر إلا إذا توجه إلى مرحلتين هذا إذا نوى الإقامة في موضع يصلح لها من بلدة أو قرية أو واد يمكن البدوي النزول فيه للإقامة، فأما المفازة ففي انقطاع السفر بنية الإقامة فيها قولان: أظهرهما عند جمهور الأصحاب إن نوى إقامة أربعة أيام صار مقيما، وذلك يقتضي أن نية دون الأربعة لا يقطع السفر وإن زاد على ثلاثة، وقد صرح به كثيرون واختلفوا في أن الأربعة كيف تحسب على وجهين في التهذيب وغيره أحدها يحسب منها يوما الدخول والخروج كما يحسب يوم الحدث ويوم نزع الخف في مدة المسح، وأصحهما لا يحسبان، فعلى الأول لو دخل يوم السبت وقت الزوال بنية الخروج يوم الأربعاء وقت الزوال صار مقيما، وعلى الثاني لا يصير، وإن دخل ضحوة السبت وخرج عشية الأربعاء قال إمام الحرمين والمصنف: متى نوى إقامة زيادة على ثلاثة أيام صار مقيما، وهذا الذي قالاه موافق لما قاله الجمهور ; لأنه لا يمكن زيادة على الثلاثة غير يومي الدخول والخروج بحيث لا يبلغ الأربعة ثم الأيام المحتملة معدودة لياليها، وإذا نوى ما لا يحتمل صار مقيما في الحال، ولو دخل ليلا لم تحسب بقية الليلة ويحسب الغد .

الأمر (الثالث: صورة الإقامة وإن لم يعزم) عليها (كما إذا أقام على موضع واحد ثلاثة أيام سوى يوم الدخول لم يكن له الترخص بعده، وإن لم يعزم على الإقامة وكان له شغل) عرض في بلدة أو قرية فأقام له فله حالان أحدهما (وهو يتوقع) أي: يرجو (كل يوم) ساعة فساعة (إنجازه) أي: الفراغ من شغله، (ولكنه يتعوق عليه ويتأخر) وهو على نية الارتحال عند فراغه، والثاني يعلم أن شغله لا يفرغ في ثلاثة أيام غير يومي الدخول والخروج كالنفقة والتجارة الكثيرة ونحوهما، (فله) في الأول (أن يترخص) بالقصر إلى أربعة أيام وفيها بعد ذلك طريقان: الصحيح منهما ثلاثة أقوال: أحدها: يجوز القصر أبدا، (وإن طالت المدة على أقيس القولين; لأنه منزعج بقلبه) غير مستقر (ومسافر عن الوطن بصورته ولا مبالاة بصورة الثبوت على موضع واحد مع انزعاج القلب، ولا فرق بين أن يكون هذا الشغل قتالا أو غيره) كالخوف من القتال أو التجارة أو غيرها، (ولا بين أن تطول المدة أو تقصر، ولا بين أن يتأخر الخروج لمطر لا يعلم بقاؤه ثلاثة أيام أو لغيره) .

والثاني: لا يجوز القصر أصلا، والثالث: قال الرافعي هو الأظهر يجوز ثمانية عشر يوما فقط، وقيل: سبعة عشر، وقيل: تسعة عشر، وقيل: عشرين يوما، والطريق الثاني أن هذه الأقوال في المحارب ويقطع بالمنع في غيره، وأما الحال الثاني فإن كان محاربا وقلنا في الحال الأول لا يقصر فهنا أولى، وإلا فقولان: أحدهما يترخص أبدا، والثاني ثمانية عشر، وإن كان غير محارب كالمتفقه والتاجر فالمذهب أنه لا يترخص أصلا، وقيل: هو كمحارب وهو غلط، وقد أشار المصنف إلى القول الثالث من الأقوال الثلاثة من الحال الأول بقوله:

(إذ ترخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقصر في بعض الغزوات ثمانية عشر يوما على موضع واحد) .

قال العراقي: رواه أبو داود من حديث عمران بن حصين في قصة الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين. وللبخاري من حديث ابن عباس أقام بمكة تسعة عشر يوما يقصر الصلاة، ولأبي داود سبعة عشر بتقديم السين، وفي رواية له خمسة عشر . اهـ .

قلت: قال في التهذيب اعتمد الشافعي رواية عمران لسلامتها من الاختلاف، قال الحافظ: رواها أبو داود وابن حبان من حديث علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن عمران، قال: غزوت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثمانية عشر لا يصلي إلا ركعتين [ ص: 431 ] يقول: يا أهل البلد صلوا أربعا، فإنا قوم سفر. حسنه الترمذي وعلي ضعيف، وإنما حسن الترمذي حديثه لشواهد ولم يعتبر الاختلاف في المدة كما عرف من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد دون السياق، فهي من جهة الإسناد ليست صحيحة، ودعوى صاحب التهذيب أنها سالمة من الاختلاف أي: على راويها وهو وجه من الترجيح قعيد لو كان راويها عمدة، وأما رواية تسع عشرة فرواها أيضا أحمد من حديث عكرمة عن ابن عباس، وأما رواية سبع عشرة بتقديم السين فرواها أيضا ابن حبان من حديثه، وأما رواية خمس عشرة فرواها أيضا النسائي وابن ماجه والبيهقي من حديث ابن عباس، ويروى أيضا أنه أقام عشرين يوما رواها عبد بن حميد من حديث ابن عباس أيضا، والله أعلم .

(فظاهر الظن أنه لو تمادى القتال) أي: استطال (لتمادى ترخصه) في القصر (إذ لا معنى لتقدير ثمانية عشر يوما، الظاهر أن قصره) -صلى الله عليه وسلم- (كان لكونه مسافرا لا لكونه غازيا مقاتلا، هذا) الذي ذكرناه هو (معنى القصر، وأما معنى الطول) أي: معنى كون السفر طويلا (فهو أن يكون مرحلتين كل مرحلة ثمانية فراسخ) فالمرحلتان ستة عشر فرسخا وهي أربع برد وهي مسيرة يومين معتدلين، (وكل فرسخ ثلاثة أميال) فالمجموع ثمانية وأربعون ميلا .

(وكل ميل أربعة آلاف خطوة وكل خطوة ثلاثة أقدام) يوضع قدم أمام قدم ملاصق له، وفي المصباح الميل عند العرب مقدار مدى البصر من الأرض، وعند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع، وعند المحدثين أربعة آلاف ذراع، والخلاف لفظي، فإنهم اتفقوا على أن مقداره ستة وتسعون ألف أصبع، والأصبع ست شعيرات بطن كل واحدة إلى أخرى، ولكن القدماء يقولون: الذراع اثنتان وثلاثون أصبعا، والمحدثون يقولون أربعة وعشرون أصبعا، فإذا قسم الميل على رأي القدماء كل ذراع اثنين وثلاثين أصبعا كان المتحصل ثلاثة آلاف ذراع، والفرسخ عند الكل ثلاثة أميال، فإذا قدر الميل بالغلوات إن كانت كل غلوة أربعمائة ذراع كان ثلاثين غلوة، وإن كان كل غلوة مائتي ذراع كان ستين غلوة، ويقال للأعلام المبنية في طريق مكة أميال; لأنها بنيت على مقادير مدى البصر من الميل إلى الميل، وإنما أضيف إلى بني هاشم فقيل الميل الهاشمي; لأن بني هاشم حددوه وأعملوه . اهـ .

قال الرافعي: وهل هذا الضبط تحديد أو تقريب، وجهان: الأصح تحديد، وحكي قول شاذ أن القصر يجوز في السفر القصير بشرط الخوف، والمعروف الأول واستحب الشافعي -رحمه الله- أن لا يقصر إلا في ثلاثة أيام للخروج من خلاف أبي حنيفة -رحمه الله- في ضبطه به، والمسافة في البحر مثل المسافة في البر، وإن قطعها في لحظة فإن شك فيها اجتهد قال النووي: وإن حبستهم الريح فيه قال الدارمي هو كالإقامة في البر بغير نية الإقامة، والله أعلم .

واعلم أن مسافة الرجوع لا تحسب فلو قصد موضعا على مرحلة بنية أن لا يقيم فيه فليس له القصر لا ذاهبا ولا راجعا وإن كان يناله مشقة مرحلتين متواليتين; لأنه لا يسمى سفرا طويلا، وحكى الحناطي وجها أنه يقصر إذا كان الذهاب والرجوع مرحلتين وهو شاذ منكر ويشترط عزمه في الابتداء على قطع مسافة القصر، فلو خرج لطلب آبق أو غريم وينصرف متى لقيه ولا يعرف موضعه لم يترخص، وإن طال سفره كما قلنا في الهائم فإذا وجده وعزم على الرجوع إلى بلده وبينهما مسافة القصر ترخص إذا ارتحل عن ذلك الموضع، فلو كان في ابتداء السفر يعلم موضعه وأنه لا يلقاه قبل مرحلتين ترخص فلو نوى مسافة القصر ثم نوى أنه إن وجد الغريم رجع، نظر إن نوى ذلك قبل مفارقته عمران البلد لم يترخص، وإلا فوجهان أصحهما يترخص ما لم يجده، فإذا وجده صار مقيما، وكذا لو نوى قصد موضع في مسافة القصر ثم نوى الإقامة في بلد وسط الطريق، فإن كان من مخرجه إلى المقصد الثاني مسافة القصر ترخص، وإن كان أقل ترخص أيضا على الأصح ما لم يدخله، وإذا سار العبد بسير المولى، والمرأة بسير الزوج، والجندي بسير الأمير ولا يعرفون مقصدهم لم يجز لهم الترخص، فلو نووا مسافة القصر فلا عبرة بنية العبد والمرأة وتعتبر نية الجندي; لأنه ليس تحت يد الأمير وقهره، فإن عرفوا مقصدهم فنووا فلهم القصر .




الخدمات العلمية