الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وكذلك الصوفية فقد كان الشبلي في مسجده ليلة من رمضان وهو يصلي خلف إمام له فقرأ الإمام : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك فزعق الشبلي زعقة ظن الناس أنه قد طارت روحه واحمر وجهه وارتعدت فرائصه وكان يقول : بمثل هذا يخاطب الأحباب يردد ذلك مرارا .

وقال الجنيد دخلت على سري السقطي فرأيت بين يديه رجلا قد غشي عليه فقال لي : هذا رجل قد سمع آية من القرآن فغشي عليه فقلت : اقرءوا عليه تلك الآية بعينها فقرئت فأفاق فقال من أين قلت هذا ? فقلت : رأيت يعقوب عليه السلام كان عماه من أجل مخلوق فبمخلوق أبصر ولو كان عماه من أجل الحق ما أبصر بمخلوق فاستحسن ذلك .

ويشير إلى ما قاله الجنيد قول الشاعر: .


وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها

وقال بعض الصوفية كنت أقرأ ليلة هذه الآية : كل نفس ذائقة الموت فجعلت أرددها فإذا هاتف يهتف بي كم تردد هذه الآية ? فقد قتلت أربعة من الجن ما رفعوا رءوسهم إلى السماء منذ خلقوا .

وقال أبو علي المغازلي للشبلي ربما تطرق سمعي آية من كتاب الله تعالى فتجذبني إلى الإعراض عن الدنيا ثم أرجع إلى أحوالي وإلى الناس فلا أبقى على ذلك ، فقال ما طرق سمعك من القرآن فاجتذبك به إليه فذلك عطف منه عليك ولطف منه بك وإذا ردك إلى نفسك فهو شفقة منه عليك ، فإنه لا يصلح لك إلا التبري من الحول والقوة في التوجه إليه .

وسمع رجل من أهل التصوف قارئا يقرأ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فاستعادها من القارئ وقال : .

كم أقول لها ارجعي وليست ترجع وتواجد وزعق زعقة فخرجت روحه .

وسمع بكر بن معاذ قارئا يقرأ وأنذرهم يوم الآزفة الآية فاضطرب ثم صاح ارحم من أنذرته ولم يقبل إليك بعد الإنذار بطاعتك ثم غشي عليه .

وكان إبراهيم بن أدهم رحمه الله إذا سمع أحدا يقرأ إذا السماء انشقت اضطربت أوصاله حتى كان يرتعد .

وعن محمد بن صبيح قال : كان رجل يغتسل في الفرات فمر به رجل على الشاطئ يقرأ وامتازوا اليوم أيها المجرمون فلم يزل الرجل يضطرب حتى غرق ومات .

وذكر أن سلمان الفارسي أبصر شابا يقرأ فأتى على آية فاقشعر جلده فأحبه سلمان وفقده فسأل عنه فقيل له : إنه مريض فأتاه يعوده ، فإذا هو في الموت فقال يا عبد الله أرأيت تلك القشعريرة التي كانت بي ، فإنها أتتني في أحسن صورة فأخبرتني أن الله قد غفر لي بها كل ذنب .

التالي السابق


(وكذلك الصوفية فقد كان) أبو بكر (الشبلي) -رحمه الله تعالى- (في مسجده ليلة من رمضان وهو يصلي خلف إمام له فقرأ الإمام: ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك فزعق الشبلي زعقة ظن الناس أنه قد طارت) بها (روحه واخضر وجهه وأربد) أي: تغير (وكان يقول: بمثل هذا يخاطب الأحباب) فكيف بغيرهم (يردد ذلك مرارا) على نفسه وهو مغلوب عليه .

أخرجه القشيري في الرسالة فقال: قد سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت أحمد بن مقاتل العكي يقول: كنت مع الشبلي في مسجد ليلة في شهر رمضان وهو يصلي خلف إمام وأنا بجنبه، فقرأ الإمام ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك فزعق زعقة قلت: طارت روحه وهو يرتعد ويقول: بمثل هذا يخاطب الأحباب، ويردد ذلك كثيرا (وقال الجنيد) [ ص: 553 ] -رحمه الله تعالى- (دخلت على) أستاذي (سري) بن المفلس (السقطي) رحمه الله تعالى (فرأيت بين يديه رجلا قد أغشي عليه) ولفظ الرسالة: وحكي عن الجنيد أنه قال: دخلت على السري يوما فرأيت عنده رجلا مغشيا عليه فقلت: ما له؟ (فقال: هذا رجل سمع آية من القرآن فغشي عليه) واستغرق فيها، (فقلت: اقرءوا عليه تلك الآية) ثانيا لعله يفيق، (فقرئ) الأولى فقرئت عليه فأفاق، ولفظ الرسالة: فقرأ أي: الجنيد، وفيها أيضا فقلت: تقرأ عليه فيكون مطابقا ( فلما أفاق) الرجل (قال) لي السري (من أين قلت هذا؟) ولفظ الرسالة: من أين علمت ذلك؟ (فقلت: رأيت يعقوب) -عليه السلام- (كان عماه من أجل مخلوق) أي: بعد يوسف وغيبته عنه وأسفه عليه مع إتيان قميص له ملطخا بالدم، (فبمخلوق أبصر) أي: لما أتاه قميصه تحقق وجوده وسلامته، وقرب الاجتماع به فزال عنه ما كان فيه، ورد الله عليه بصره، (ولو كان عماه من أجل الحق ما أبصر بمخلوق فاستحسنوا ذلك) .

ولفظ الرسالة: فقلت له: إن قميص يوسف ذهب بسببه بصر يعقوب ثم به عاد بصره، فاستحسن ذلك مني، فقوله: ثم به أي: بعوده يعني بعود جنسه، فإنه غير القميص الذي لطخ (ويشير إلى ما قاله الجنيد قول الشاعر) :


(وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها)

وقال آخر:

كما يتداوى شارب الخمر بالخمر



(وقال بعض الصوفية كنت أقرأ ليلة هذه الآية: كل نفس ذائقة الموت فجعلت أرددها) بصوت محزون، (وإذا هاتف يهتف كم تردد هذه الآية؟ فقد قتلت أربعة من الجن لم يرفعوا رءوسهم إلى السماء منذ خلقوا) أي: حياء من الله -عز وجل- .

(وقال علي المغازلي للشبلي) -رحمهما الله تعالى- ولفظ الرسالة: سأل أبو علي المغازلي الشبلي فقال: (ربما تطرق سمعي آية من كتاب الله تعالى فتجذبني) ولفظ الرسالة فتحدوني أي: تشوقني (إلى) ترك الأشياء المشتهاة و (الإعراض عن الدنيا) والإقبال على الله تعالى، (ثم أرجع إلى أحوالي) وإحساسي (وإلى الناس فلا أبقى مع ذلك، فقال) الشبلي (ما طرق سمعك من القرآن واجتذبك به إليه) تعالى، وفي الرسالة: ما اجتذبك إليه (فذلك عطف منه عليك ولطف منه بك) وإكرام منه إليك (وإذا ردك) ولفظ الرسالة: وما رددت (إلى نفسك فهو شفقة منه عليك، فإنه لا يصلح لك) لكونك لم تكمل به، ولفظ الرسالة: لأنه لم يصح لك (التبري من الحول والقوة في التوجه إليه) تعالى، فهو يربيك ويعلمك ويذيقك أشرف الأحوال منه لتعلم قدر نعمه عليك ويردك إلى نفسك وإحساسك ليعود عجزك عن نيل ذلك ويتكامل همك وتقوى رغبتك في الاشتمال به والاعتماد عليه دون غيره .

وقد ذكر القشيري في آخر بحث الوجد والتواجد حكاية عن أبي عبد الله التروغندي: أنه لما كان أيام المجاعة دخل بيته فرأى مقدار منوين حنطة فقال: الناس يموتون من الجوع، وفي بيتي حنطة فخولط في عقله، فما كان يفيق إلا في أوقات الصلاة يصلي الفريضة ثم يعود إلى حالته، فلم يزل كذلك إلى أن مات .

قال القشيري: دلت هذه الحكاية على أن هذا الرجل كان محفوظا عليه آداب الشريعة عند غلبات أحكام الحقيقة، وهذا هو صفة أهل الحقيقة ثم كان سبب غيبته عن تمييزه شفقته على المسلمين، وهذه أقوى سمة لتحققه في حاله .

(وسمع رجل من أهل التصوف قارئا يقرأ) قوله تعالى: ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فاستعادها) أي: الآية (من القارئ وقال: كم أقول لها ارجعي) إلى ربك (وليس ترجع) لشؤمها، (وتواجد) لهذا المعنى (وزعق زعقة فخرجت روحه) منها، (وسمع بكر بن معاذ) -رحمه الله تعالى- (قارئا يقرأ) قوله تعالى: ( وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر ) الآية (فاضطرب) جسمه (ثم صاح) قائلا: يا رب (ارحم من أنذرته ولم يقبل إليك بعد الإنذار بطاعتك ثم غشي عليه) وهذا الوجه حصل له من خوف المخالفة، (وكان إبراهيم بن أدهم) -رحمه الله تعالى- (إذا سمع أحدا [ ص: 554 ] يقرأ) سورة ( إذا السماء انشقت ) إلى آخرها (اضطربت أوصاله حتى ترتعد) لما فيها مع قصرها من ذكر أهوال .

(وعن محمد بن صبيح) بن السماك أبي العباس الواعظ، روى عن سفيان الثوري والأعمش وهشام وإسماعيل بن أبي خالد ترجمه أبو نعيم في الحلية، (قال: كان رجل يغتسل في الفرات) نهر بالعراق، (فمر رجل) على شاطئه وهو (يقرأ) قوله تعالى: من سورة يس ( وامتازوا اليوم أيها المجرمون فلم يزل الرجل يضطرب) في الماء (حتى) غشي عليه، و (غرق ومات) -رحمه الله تعالى- (وروي) في بعض الأخبار (أن سلمان الفارسي) -رضي الله عنه- (أبصر شابا يقرأ) القرآن (فأتى) الشاب في قراءته (على آية) من القرآن فيها تهديد (فاقشعر جلده) واضطرب حاله، (فأحبه سلمان) لما رأى منه ذلك، (وفقده مرة فسأل عنه فقيل له: إنه مريض فأتاه يعوده، فإذا هو في) سياق الموت (فقال) له الشاب لما رآه: (يا أبا عبد الله أرأيت تلك القشعريرة) أي: الرعدة (التي كانت مني، فإنها أتتني في أحسن صورة) أي: تمثلت لي (فأخبرتني أن الله قد غفر لي بها كل ذنب) ، وتلك القشعريرة هي الوجد .




الخدمات العلمية