الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما العشاء فيعرف بغيبوبة الشفق وهو الحمرة فإن كانت محجوبة عنه بجبال فيعرفه بظهور والكواكب الصغار وكثرتها فإن ذلك يكون بعد غيبوبة الحمرة .

وأما الصبح فيبدو في الأول مستطيلا كذنب السرحان فلا يحكم به إلى أن ينقضي زمان .

ثم يظهر بياض معترض لا يعسر إدراكه بالعين لظهوره ، فهذا أول الوقت .

قال صلى الله عليه وسلم : ليس الصبح هكذا وجمع بين كفيه ، وإنما الصبح هكذا ، ووضع إحدى سبابتيه على الأخرى وفتحهما .

وأشار به إلى انه معترض .

وقد يستدل عليه بالمنازل وذلك تقريب لا تحقيق فيه بل الاعتماد على مشاهدة انتشار البياض عرضا لأن قوما ظنوا أن الصبح يطلع قبل الشمس بأربع منازل وهذا خطأ لأن ذلك هو الفجر الكاذب .

والذي ذكره المحققون أنه يتقدم على الشمس بمنزلتين ، وهذا تقريب ولكن لا اعتماد عليه فإن ; بعض المنازل تطلع معترضة منحرفة فيقصر زمان طلوعها وبعضها منتصبة فيطول زمان طلوعها ويختلف ذلك في البلد اختلافا يطول ذكره .

نعم تصلح المنازل ; لأن يعلم بها قرب وقت الصبح وبعده ، فأما حقيقة أول الصبح فلا يمكن ضبطه بمنزلتين أصلا .

وعلى الجملة فإذا بقيت أربع منازل إلى طلوع قرن الشمس بمقدار منزلة يتيقن أنه الصبح الكاذب ، وإذا بقي قريب من منزلتين يتحقق طلوع الصبح الصادق ويبقى بين الصبحين قدر ثلثي منزلة بالتقريب يشك فيه أنه من وقت الصبح الصادق أو الكاذب ، وهو مبدأ ظهور البياض وانتشاره قبل اتساع عرضه .

فمن وقت الشك ينبغي أن يترك الصائم السحور ويقدم القائم الوتر عليه ولا يصلي صلاة الصبح حتى تنقضي مدة الشك ، فإذا تحقق صلى .

التالي السابق


(وأما العشاء فيعرف) وقتها (بغيوبة الشفق وهو الحمرة) لأنه المتفاهم عند أهل اللغة وهو مذهب عمر وابنه وعلي وابن مسعود، واختار الشافعي وأبو يوسف ومحمد رواية عن أسد بن عمر، وعن أبي حنيفة وإليه ذهب الخليل والفراء والأزهري من أهل اللغة، ويروى ذلك مرفوعا من حديث ابن عمر: الشفق الحمرة، فإذا غاب وجبت الصلاة. رواه الدارقطني وقال البيهقي: الصحيح أنه موقوف على ابن عمر، وأقره النووي وعند أبي حنيفة: الشفق هو البياض وعند غيوبته يدخل وقت العشاء، ونقل عن أبي بكر ومعاذ بن جبل وعائشة وابن عباس في رواية وأبي هريرة وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي والمزني وابن المنذر والخطابي واختاره المبرد وثعلب، وقال إمام الحرمين: يدخل وقتها بزوال الحمرة والصفرة، قال: والشمس إذا غربت تعقبها حمرة ثم ترقى حتى تنقلب صفرة ثم يبقى البياض، قال: ومن غروب الشمس إلى زوال الصفرة كما بين طلوع الفجر الصادق وطلوع الشمس ومن زوال الصفرة إلى انمحاق البياض قريب مما بين الصبح الصادق والكاذب. هذا قول إمام الحرمين، والذي عليه المعظم ويدل عليه نص الشافعي أنه الحمرة ثم هذا في الصحاري والمواضع البارزة .

(فإن كانت محجوبة عنه بجبال فيعرفه بظهور الكواكب الصغار وكثرتها) وانتشارها، (فإن ذلك يكون بعد غيوبة الحمرة) ثم غيوبة الشفق الظاهرة في معظم النواحي، أما الساكنون بناحية تقصر لياليهم ولا يغيب عنهم الشفق فيصلون العشاء إذا مضى من الزمان قدر ما يغيب فيه الشفق في أقرب البلاد إليهم، أما وقت الاختيار للعشاء فيمتد إلى ثلث الليل على الأظهر وإلى نصفه على الثاني ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني على الصحيح، وقال الإصطخري: يخرج بذهاب وقت الاختيار .

(وأما الصبح فيبدو في الأول مستطيلا) في السماء (كذنب السرحان) بالكسر يطلق على الذئب والأسد والجمع سراحين شبه الفجر الكاذب بذنبه في استطالته (فلا يحكم إلى أن ينقضي زمان ثم يظهر بياض معترض) مستطير في الأفق (لا يعسر إدراكه لظهوره، فهذا أول الوقت) أي: فبطلوعه يدخل أول وقتها إجماعا، ويتمادى وقت الاختيار إلى أن يسفر وعند أبي حنيفة يبتدي مسفرا بحيث يمكنه ترتيل أربعين آية أو أكثر ثم إعادته إن ظهر فساد وضوئه ويختم مسفرا، وهو اختيار الحافظ ابن حجر وفاقا للحنفية، ومختار الطحاوي: يبتدئ مغلسا ويختم مسفرا، ووقت الجواز إلى طلوع الشمس على الصحيح، وعند الإصطخري يخرج وقت الجواز بالإسفار، فعلى الصحيح للصبح أربعة أوقات فضيلة أوله ثم الاختيار إلى الإسفار ثم جواز بلا كراهة إلى طلوع الحمرة ثم كراهة وقت طلوع الحمرة إذا لم يكن عذر .

(قال -صلى الله عليه وسلم-: ليس الصبح هكذا وجمع بين كفيه، وإنما الصبح هكذا، ووضع سبابتيه على الأخرى وفتحهما وأشار به إلى أنه معترض) ليس بمستطيل قال العراقي: رواه ابن ماجه من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح مختصر دون الإشارة بالكف [ ص: 452 ] والسبابتين، ولأحمد من حديث طلق بن علي ليس الفجر المستطيل بالأفق، ولكنه معترض الأحمر، وإسناده حسن . اهـ .

قلت: لفظ أحمد في مسنده ليس الفجر بالأبيض المستطيل في الأفق، ولكنه الأحمر المعترض، وقد رواه كذلك الطبراني في الكبير .

(وقد يستدل عليه) أي: على الصبح الصادق (بالمنازل) القمرية وهي ثمانية وعشرون منزلة يقطعها القمر، (وهو تقريب لا تحقيق فيه بل الاعتماد على مشاهدة انتشار البياض عرضا) في السماء (لأن قوما) من أهل الحساب (ظنوا أن الصبح يطلع قبل الشمس بمنزلتين، وهذا) أيضا (تقريب لكن الاعتماد عليه; لأن بعض المنازل تطلع معترضة منحرفة فيقصر زمان طلوعها وبعضها منتصبة فيطول زمان طلوعها ويختلف ذلك في البلاد) باختلاف الأقاليم (اختلافا يطول ذكره) في هذا الكتاب، (نعم تصلح المنازل; لأن يعلم بها قرب وقت الصبح وبعده، فأما حقيقة أول الصبح فلا يمكن ضبطه بمنزلتين) كما قالوا (أصلا، وعلى الجملة فإذا بقيت أربع منازل إلى طلوع قرن الشمس بمقدار منزلة يتيقن أنه الصبح الكاذب، وإذا بقي قريب من منزلتين يتحقق طلوع الصبح الصادق والكاذب، وهو مبدأ ظهور البياض وانتشاره) في الأفق (قبل اتساع عرضه، فمن وقت الشك ينبغي أن يترك الصائم السحور ويقدم القائم) بالليل للصلاة (الوتر عليه ولا يصلي صلاة الصبح حتى تنقضي مدة الشك، فإذا تحقق صلى) الصبح .




الخدمات العلمية