الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقال صلى الله عليه وسلم : ما زار رجل رجلا في الله شوقا إليه ورغبة في لقائه إلا ناداه ملك من خلفه : طبت وطاب ممشاك وطابت لك الجنة .

" وقال صلى الله عليه وسلم : إن رجلا زار أخا له في الله فأرصد الله له ملكا فقال : أين تريد قال ؟ : أريد أن أزور أخي فلانا ، فقال : لحاجة لك عنده قال ؟ : لا ، قال : لقرابة بينك وبينه ؟ قال : لا ، قال: فبنعمة له عندك ؟ قال : لا ، قال فبم : ؟ قال : أحبه في الله ، قال .

فإن : الله أرسلني إليك يخبرك بأنه يحبك لحبك إياه ، وقد أوجب لك الجنة .

وقال صلى الله عليه وسلم : أوثق عرى الإيمان الحب في الله ، والبغض في الله .

فلهذا يجب أن يكون للرجل أعداء يبغضهم في الله كما يكون له أصدقاء وإخوان يحبهم في الله .

ويروى أن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت الراحة ، وأما انقطاعك إلي فقد تعززت بي ، ولكن هل عاديت في عدوا أو هل ؟ واليت في وليا .

؟ وقال صلى الله عليه وسلم : اللهم لا تجعل لفاجر علي منة فترزقه مني محبة .

ويروى أن الله تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام لو أنك عبدتني بعبادة أهل السموات والأرض وحب في الله ليس ، وبغض في الله ليس ، ما أغنى عنك ذلك شيئا وقال عيسى عليه السلام : تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي ، وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم ، والتمسوا رضا الله بسخطهم ، قالوا : يا روح الله ، فمن نجالس ؟ قال : جالسوا من تذكركم الله رؤيته ، ومن يزيد في عملكم كلامه ، ومن يرعبكم في الآخرة عمله .

وروي في الأخبار السالفة إن الله عز وجل أوحى إلى موسى عليه السلام .

يا ابن عمران كن يقظانا وارتد لنفسك إخوانا وكل خدن وصاحب لا يوازرك على مسرتي فهو لك عدو وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام فقال يا داود ما لي أراك منتبذا وحيدا قال : إلهي قليت الخلق من أجلك فقال : يا داود كن يقظانا وارتد لنفسك أخدانا وكل ، خدن لا يوافقك على مسرتي فلا تصاحبه ، فإنه لك عدو يقسي قلبك ، ويباعدك مني .

وفي أخبار داود عليه السلام أنه قال : يا رب كيف لي أن يحبني الناس كلهم وأسلم فيما بيني وبينك ؟ قال : خالق الناس بأخلاقهم وأحسن فيما بيني وبينك .

وفي بعضها :خالق أهل الدنيا بأخلاق الدنيا ، وخالق أهل الآخرة بأخلاق الآخرة .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أحبكم إلى الله الذين يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم إلى الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الإخوان .

وقال صلى الله عليه وسلم : إن الله ملكا نصفه من النار ونصفه من الثلج يقول : اللهم كما ألفت بين الثلج والنار كذلك ألف بين قلوب عبادك الصالحين .

التالي السابق


(وقال صلى الله عليه وسلم: ما زار رجل رجلا في الله شوقا إليه ورغبة في لقائه إلا ناداه ملك من خلفه: طبت وطاب ممشاك وطابت لك الجنة" ) .

قال العراقي : رواه ابن عدي من حديث أنس دون قوله: "شوقا إليه ورغبة في لقائه" . وللترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة : " من عاد مريضا أو زار أخا في الله ناداه مناد من السماء; طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا" .

قال الترمذي : غريب، اهـ .

قلت: وكذلك ابن جرير أيضا، (وقال صلى الله عليه وسلم: إن رجلا زار أخا) له (في الله فأرصد الله له ملكا فقال: أين تريد؟ فقال: أريد أن أزور أخي فلانا في الله، فقال:) تزوره (لحاجة لك عنده؟) دنيوية، (فقال: لا، قال: لقرابة بينك وبينه؟ قال: لا، قال: بنعمة له عندك تربها؟ قال: لا، قال: فمه؟) أي: فما الذي حملك أن تزوره؟ (قال: أحبه في الله تعالى، قال: إن الله أرسلني إليك يخبرك أنه يحبك بحبك إياه، وقد أوجب لك الجنة) .

قال العراقي : رواه مسلم عن أبي هريرة ، اهـ. ولفظه: إن رجلا زار أخا في الله تعالى في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجه ملكا، فقال: أين تريد؟ قال: أردت أخا في هذه القرية، قال: هل بينك [ ص: 177 ] وبينه رحم تصلها، أو له عليك نعمة تربها؟ قال: لا، إني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك إن الله تبارك وتعالى قد أحبك كما أحببته فيه ، (وقال صلى الله عليه وسلم: أوثق عرى الإيمان ) أي: أقواها وأثبتها وأحكمها، جمع عروة، وهي في الأصل ما يعلق به نحو دلو أو كوز، فاستعير لما يتمسك به من أمر الدين، ويتعلق به من شعب الإيمان، (الحب في الله، والبغض في الله) ، ولفظ القوت: وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه: "أي عرى الإيمان أوثق؟ قالوا: الصلاة، قال: حسنة. وليس به: قالوا: الحج والجهاد .

قال: حسن، وليس به: قالوا: فأخبرنا يا رسول الله، قال: أوثق عرى الإيمان الحب في الله تعالى والبغض فيه"
. اهـ .

قال العراقي : رواه أحمد من حديث البراء بن عازب ، وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه، والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث ابن مسعود بسند ضعيف، اهـ .

قلت: حديث البراء قد أخرجه أيضا الطيالسي ولفظه: قال: أتدرون أي عرى الإيمان أوثق؟ قلت: الصلاة، قال: الصلاة حسنة وليست بذلك، قلنا: الصيام، فقال مثل ذلك حتى ذكرنا الجهاد، فقال مثل ذلك" . ثم ذكره وأخرج الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس : "أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والموادة في الله، والحب في الله، والبغض في الله ، (فبهذا يجب أن يكون للرجل أعداء يبغضهم في الله كما يكون له أصدقاء وإخوان يحبهم في الله) عز وجل .

(وروي أن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء) فيما تقدم، (أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت الراحة، وأما انقطاعك إلي فقد تعززت بي، ولكن هل عاديت في) أي: في رضائي أو لأجلي (عدوا؟ وهل واليت في وليا؟) نقله صاحب القوت، (وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم لا تجعل لفاجر علي منة فترزقه مني محبة ) ، وفي لفظ: "لا تجعل لفاجر عندي يدا فيحبه قلبي" ، وقد تقدم الكلام عليه في الكتاب الذي قبله، (ويروى أن الله تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام لو أنك عبدتني بعبادة أهل السماوات والأرض وحب في الله ليس، وبغض في الله ليس، ما أغنى ذلك عنك شيئا ) ، نقله صاحب القوت .

(وقال عيسى عليه السلام: تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالتباعد عنهم، والتمسوا رضا الله بسخطهم، قالوا: يا روح الله، فمن نجالس؟ قال: جالسوا من تذكركم الله رؤيته، ومن يزيد في عملكم كلامه، ومن يرغبكم في الآخرة عمله) . نقله صاحب القوت. (وروي في الأخبار السالفة) أي: الماضية: (إن الله تعالى أوحى إلى موسى بن عمران ) عليه السلام، (يا ابن عمران كن يقظانا) أي: متيقظا، (وارتد) أي: اطلب، (لنفسك أخدانا) ، أي: أصحابا، (فكل خدن) وصاحب (لا يوازرك على محبتي ومسرتي فهو لك عدو) . نقله صاحب القوت. وقال القشيري في الرسالة: حدثنا حمزة بن يوسف التميمي الجرجاني قال: حدثنا محمد بن أحمد العبدي ، حدثنا أبو عوانة ، حدثنا يونس ، حدثنا خلف بن تميم ، حدثنا أبو الأحوص عن محمد بن النضر الحارثي ، قال: "أوحى الله إلى موسى عليه السلام: كن يقظانا مرتادا لنفسك أخدانا، وكل خدن لا يؤاتيك على مسرتي فأقصه ولا تصاحبه، فإنه يقسي قلبك، وهو لك عدو، وأكثر من ذكري تستوجب شكري والمزيد من فضلي" . اهـ .

(وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام) فقال: (يا داود ما لي أراك منتبذا) مطروحا بعيدا عن الناس (وحدانا) ؟ (قال: إلهي قليت الخلق) أي: أبغضتهم (من أجلك، قال: يا داود كن يقظانا) ، أي: صاحب يقظة، وهي ضد الغفلة، (وارتد) ، ولفظ القوت: مرتادا، (لنفسك أخدانا، فكل خدن لا يوافقك على مسرتي فلا تصحبه، فإنه لك عدوي ويقسي قلبك، ويباعدك مني) نقله صاحب القوت والعوارف، (وفي أخبار داود عليه السلام أنه قال: يا رب كيف لي أن يحبني الناس كلهم وأسلم فيما بيني وبينك؟ قال: خالق الناس بأخلاقهم) أي: عاشرهم بما يلائمهم، (وأحسن فيما بيني وبينك، وفي بعضها: خالق أهل الدنيا بأخلاق الدنيا، وخالق أهل الآخرة بأخلاق الآخرة) ، نقله [ ص: 178 ] صاحب القوت والعوارف، (وقال صلى الله عليه وسلم: إن أحبكم إلى الله الذين يألفون) الناس، (ويؤلفون) أي: تألفهم الناس، (وإن أبغضكم إلى الله المشاؤن بالنميمة) أي: إفساد ذات البين، (المفرقون بين الإخوان) كذا في القوت، قال العراقي : رواه الطبري في الأوسط والصغير من حديث أبي هريرة بسند ضعيف، (وقال صلى الله عليه وسلم: إن لله ملكا نصفه من النار ونصفه من الثلج يقول:) في دعائه أبدا، (اللهم كما ألفت بين الثلج والنار) كذلك (ألف بين) قلوب (عبادك الصالحين) كذا في القوت، قال العراقي : رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب العظمة من حديث معاذ بن جبل والعرباض بن سارية بسند ضعيف، قلت: أخرجه إبراهيم الحربي في غريبه عن يعقوب بن إبراهيم عن ابن عاصم ، عن ثور ، عن خالد بن معدان قال: إن لله ملكا، فذكره إلا أنه فيه: اللهم كما ألفت بين هذا الثلج وهذه النار، فلا الثلج يطفئ النار ولا النار تذيب الثلج، ألف بين قلوب عبادك الصالحين ، وهكذا هو في عوارف المعارف، ثم وجدته في مسند الديلمي ، قال: أخبرنا عبدوس ، ثنا محمد بن الحسين ، ثنا محمد بن بشر ، ثنا عدي بن عمير ، ثنا أبو الحسن بن البراء ، ثنا عبد المنعم بن إدريس عن أبيه، عن وهب ، عن ابن عباس رفعه: "إن لله ملكا نصف جسده الأعلى ثلج، ونصفه الأسفل نار، ينادي بصوت رفيع: اللهم يا مؤلفا بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك الصالحين على طاعتك، سبحان الذي كف حر هذه النار، فلا تذيب هذا الثلج، وكف برد هذا الثلج فلا يطفئ حر هذه النار" .




الخدمات العلمية