الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وفائدة قولنا إنه لا يحرم مع أنه لا يؤكل أنه لو وقع شيء منها في مرقة أو طعام مائع لم يصر به محرما .

وأما النبات فلا يحرم منه إلا ما يزيل العقل أو يزيل الحياة أو الصحة فمزيل العقل البنج والخمر وسائر المسكرات ومزيل الحياة السموم ومزيل الصحة الأدوية في غير وقتها وكأن مجموع هذا يرجع إلى الضرر إلا الخمر والمسكرات فإن الذي لا يسكر منها أيضا حرام مع قلته لعينه ولصفته وهي الشدة المطربة .

وأما السم فإذا خرج عن كونه مضرا لقلته أو لعجنه بغيره فلا يحرم .

التالي السابق


(وفائدة قولنا أنها لا تحرم مع أنها لا تؤكل أنه لو وقع شيء منها في مرقة طعام مائع لم يصر محرما) ، وكذا في شراب، (وأما النبات) وهو ما يخرج من الأرض من النابتات سواء كان له ساق كالشجر أم لا، كالنجم، لكن خص عرفا بما لا ساق له، (فلا يحرم منه إلا ما يزيل العقل) ، أي: يغطيه أو يفسده (أو يزيل الحياة) ، أي: يذهبها، (أو) يزيل (الصحة) ، وقد نص الطبري ، وابن جزء في تفسيريهما عند قوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ، أي: نبات الأرض محمول على الإباحة حتى يرد دليل على التحريم ، وقيده غيرهما بما لم يكن فيه ضرر على البدن كالدفلى ، فإنه قتال، وأكل الحرمل مدقوقا فإنه قتال، وقيده المصنف بما يزيل أحد الثلاثة، ثم فسره فقال: (فمزيل العقل البنج) مثال فلس هو نبات له حب يخلط العقل ويورث الخبال، وربما أسكر إذا شربه الإنسان بعد ذوبه، ويقال: إنه يورث السبات .

(والخمر) وهو اسم لكل ما خامر العقل (وسائر المسكرات) ، وفي الفروق للقرافي : من قواعده المسكرات، والمرقدات مما تلتبس حقائقهما على كثير من الفقهاء، والفرق بينهما أن التناول منها إما أن تغيب منه الحواس أو لا، فإن غابت منه الحواس كالبصر والسمع واللمس والشم والذوق، فهو المرقد، وإن لم تغب معه الحواس فلا يخلو من أن يحدث معه نشوة وسرور عند المتناول له، أم لا، فإن حدث ذلك فهو المسكر، وإلا فهو المفسد، فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة وسرور كالخمر والمزرة، وهو المعمول من القمح، والبتع وهو المعمول من العسل، والسكركة وهو المعمول من الذرة، والمفسد هو المشوش للعقل مع عدم السرور الغالب كالبنج والسكران، اهـ. وهذا الفرق الذي ذكره هو [ ص: 16 ] المعمول به عند المالكية ، وقد أقره ابن الشاط السبتي وأصحاب ابن عرفة وهو لا يخالف قواعد الشافعية في الغالب، وأما الحنفية فلهم كلام يتعلق بالمزرة والبتع والسكركة ففيه تفصيل آخر أوردته في الجواهر المنيفة، (ومزيل الحياة السموم) بأنواعها (ومزيل الصحة الأدوية) مفردة أو مركبة، أي: استعمالها (في غير وقتها) كاستعمال الحارة في الصيف والباردة في الشتاء، (وكل مجموع هذا يرجع إلى) معنى واحد، وهو (الضرر) سواء كان حاصلا في الوقت أو متوقعا في المآل، (فإن الذي يسكر منها حرام مع قلته) ; لأن حرمته (لعينه ولصفته وهي الشدة المطربة) ، ويعبر عنها بالنشوة، (وأما السم فإذا) فرض أنه (خرج عن كونه مضرا) ، إما (لقلته) فإن من السموم ما إذا تنوول قليله لا يؤثر، (أو لعجنه بغيره) فيضمحل تأثيره بالكلية، (فلا يحرم) ، فالعلة دائرة في غير المسكرات مع الضرر، فحيث انتفت انتفى التحريم، وفي أن الخمرة توجب السرور والأفراح، أنشد القاضي عبد الوهاب أبياتا، ونقلها القرافي في قواعده:


زعم المدامة شاربوها أنها تجلي الهموم وتصرف الغما صدقوا سرت بعقولهم فتوهموا
أن السرور لهم بها تما سلبتهم أديانهم وعقولهم
أرأيت عادم دينه مغتما



ثم قال القرافي : وبالفروق المتقدمة ظهر لك أن الحشيشة مفسدة، وليست مسكرة لوجهين أحدهما أنا نجد من يأكلها يشتد بكاؤه، وصمته، وأما المسكرات كالخمر فلا تكاد تجد أحدا ممن يشربها إلا وهو مسرور، وثانيهما أنا نجد شراب الخمر تكثر عرابدهم ووثوب بعضهم على بعض بالسلاح، ويهجمون على الأمور العظيمة التي لا يهجمون عليها حالة الصحو، ولا نجد أكلة الحشيشة إذا اجتمعوا يجري بينهم شيء من ذلك، بل هم همدة سكوت مسبتون لو أخذت قماشهم أو سيبهم لم تجد فيهم قوة البطش التي تجدها في شربة الخمر، بل هم أشبه شيء بالبهائم، فعلى هذين اعتقدنا أنها من المفسدات لا من المسكرات، فلا يجب فيها الحد، ولا تبطل بها الصلاة، بل يجب فيها التعزير والزجر عن ملابستها فتنفرد المسكرات عن المفسدات والمرقدات بثلاثة أحكام : الحد والتنجيس وتحريم اليسير، وأما المرقدات والمفسدات فلا حد فيها ولا نجاسة، فمن صلى بالبنج معه أو الأفيون لم تبطل صلاته إجماعا، ويجوز تناول اليسير منها، فمن تناول حبة من الأفيون أو البنج أو السيكران جاز ما لم يكن ذلك قدرا يصل إلى التأثير في العقل والحواس، أما دون ذلك فجائز اهـ .

نص القرافي في القواعد، وقال غيره: وأما ما يفطر العقل فلا خلاف في تحريم القدر المفطر من كل شيء، وما لا يفطر من المسكر كما يفطر لقوله عليه الصلاة والسلام: "ما أسكر كثيره فقليله حرام ، وإنما نصوا فيما وقفنا عليه على حلية اليسير فقط منها دون ما بلغ بصاحبه غيبوبة، فيحرم بلا خلاف، وعلى الإطلاق، وفي بعض كتب الشافعية ، وأما الحشيشة وتسمى القنب الهندية القلندرية فلم يتكلم فيها الأئمة الأربعة ولا علماء السلف، فإنها لم تكن في زمانهم، وإنما ظهرت في أواخر المائة السادسة والسابعة، واختلف فيها هل هي مسكرة فيجب فيها الحد، أو مفسدة للعقل فيجب التعزير، والذي أجمع عليه الأطباء أنها مسكرة وبه جزم الفقهاء وصرح به الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب التذكرة، في الخلاف، والنووي في شرح المهذب، ولا يعرف فيه خلاف عند الشافعية ، قال الزركشي : ولم أر من خالف في هذا إلا القرافي في قواعده، فقال: قال بعض العلماء بالنبات في كتبهم: إنها مسكرة، والذي يظهر أنها مفسدة، وقد تظافرت الأدلة على حرمتها، ففي صحيح مسلم: "كل مسكر حرام" ، وقال تعالى: ويحرم عليهم الخبائث وأي خبيث أعظم مما يفسد العقول التي اتفقت الملل والشرائع على إيجاب حفظها، وقال النووي في شرح المهذب يجوز منها اليسير الذي لا يسكر بخلاف الخمر، والفرق أن الحشيش طاهر والخمر نجس، فلا يجوز قليله للنجاسة، ورده الزركشي بأنه صح في الحديث: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" .

قال: والمتجه أنه لا يجوز تناول شيء من الحشيش لا قليل ولا كثير. وأما قول النووي إن الحشيشة طاهرة غير نجسة، فقطع به ابن دقيق العيد ، وحكى الإجماع. اهـ .



(تنبيه) :

حيث يذكرون الحشيشة، فإن المراد بها حشيشة البنج، وهو المراد من قول المصنف [ ص: 17 ] فمزيل العقل البنج وقدمه على الخمر للاهتمام به حتى ذكر بعضهم فيه مائة وعشرين مضرة دينية وبدنية، ولقد أحسن من قال:


قل لمن يأكل الحشيشة جهلا يا خسيسا قد عشت شر معيشه دية العقل بدرة فلماذا
يا سفيها قد بعتها بحشيشه

فإذا قد علمت ذلك فما وقع في بعض كتب السادة الشافعية وغيرهم من الفرق بينها وبين البنج غير سديد .




الخدمات العلمية