الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال وقيل : لأبي الحسن بن سالم كيف تنكر السماع وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يستمعون فقال : وكيف أنكر السماع وقد أجازه وسمعه من هو خير مني فقد ، كان عبد الله بن جعفر الطيار يسمع وإنما أنكر اللهو واللعب في السماع .

وروي عن يحيى بن معاذ أنه قال فقدنا ثلاثة أشياء فما نراها ولا أراها تزداد إلا قلة حسن الوجه مع الصيانة وحسن القول مع الديانة وحسن الإخاء مع الوفاء .

ورأيت في بعض الكتب هذا محكيا بعينه عن الحارث المحاسبي وفيه ما يدل على تجويزه السماع مع زهده وتصاونه وجده في الدين وتشميره .

قال وكان ابن مجاهد لا يجيب دعوة إلا أن يكون فيه سماع .

وحكي غير واحد أنه قال : اجتمعنا في دعوة ومعنا أبو القاسم ابن بنت منيع وأبو بكر بن داود وابن مجاهد في نظرائهم فحضر سماع فجعل ابن مجاهد يحرض ابن بنت منيع على ابن داود في أن يسمع ، فقال ابن داود : حدثني أبي عن أحمد بن حنبل أنه كره السماع وكان أبي يكرهه وأنا على مذهب أبي فقال أبو القاسم ابن بنت منيع أما جدي أحمد ابن بنت منيع فحدثني عن صالح بن أحمد أن أباه كان يسمع قول ابن الخبازة فقال ابن مجاهد لابن داود دعني أنت من أبيك ، وقال لابن بنت منيع : دعني أنت من جدك أي شيء تقول يا أبا بكر فيمن أنشد بيت شعر أهو حرام فقال ابن داود : لا ، قال : فإن كان حسن الصوت حرم عليه إنشاده قال : لا ، قال : فإن أنشده وطوله وقصر منه الممدود ومد منه المقصور أيحرم عليه ? قال أنا لم أقو لشيطان واحد فكيف أقوى لشيطانين قال وكان أبو الحسن العسقلاني الأسود من الأولياء يسمع ويوله عند السماع وصنف فيه كتابا ورد فيه على منكريه وكذلك جماعة منهم صنفوا في الرد على منكريه .

وحكي عن بعض الشيوخ أنه قال : رأيت أبا العباس الخضر عليه السلام فقلت له : ما تقول في هذا السماع الذي اختلف فيه أصحابنا فقال ؟ : هو الصفو الزلال الذي لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء .

وحكي عن ممشاد الدينوري أنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت : يا رسول الله هل تنكر من هذا السماع شيئا ? فقال : ما أنكر منه شيئا ولكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن ويختمون بعده بالقرآن .

وحكي عن طاهر بن بلال الهمداني الوراق وكان من أهل العلم أنه قال : كنت معتكفا في جامع جدة على البحر فرأيت يوما طائفة يقولون في جانب منه قولا ويستمعون فأنكرت ذلك بقلبي وقلت في بيت من بيوت الله يقولون الشعر ? قال : فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة وهو جالس في تلك الناحية وإلى جنبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وإذا أبو بكر يقول شيئا من القول والنبي صلى الله عليه وسلم يستمع إليه ويضع يده على صدره كالواجد بذلك فقلت في نفسي : ما كان ينبغي لي أن أنكر على أولئك الذين كانوا يستمعون ، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع وأبو بكر يقول فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : هذا حق بحق ، أو قال حق من حق ، أنا أشك فيه .

وقال الجنيد تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواضع عند الأكل ; لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة وعند المذاكرة لأنهم لا يتحاورون إلا في مقامات الصديقين وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا .

وعن ابن جريج أنه كان يرخص في السماع فقيل له أيؤتى يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك فقال : لا في الحسنات ولا في السيئات ; لأنه شبيه باللغو وقال ، الله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم .

هذا ما نقل من الأقاويل .

ومن طلب الحق في التقليد فمهما استقصى تعارضت عنده هذه الأقاويل فيبقى متحيرا أو مائلا إلى بعض الأقاويل بالتشهي وكل ذلك قصور بل ينبغي أن يطلب الحق بطريقه وذلك بالبحث عن مدارك الحظر والإباحة كما سنذكره .

التالي السابق


ثم قال المصنف (قال) يعني أبا طالب، (وقيل: لأبي الحسن بن سالم) هو من مشايخ البصرة ومن شيوخ أبي طالب، وقد تقدم ذكره في هذا الكتاب مرارا، (كيف تنكر السماع وقد كان الجنيد) سيد الطائفة (و) خاله وشيخه (سري) بن المغلس (السقطي وذو النون) المصري (يسمعون فقال: وكيف أنكر السماع وأجازه وسمعه من هو خير مني، وقد كان عبد الله بن جعفر الطيار يسمع) كما قدمنا في ترجمته، (وإنما أنكر اللهو واللعب في السماع) ففي هذا تجويز أصل السماع، وإنما ينكر لما يعرضه من العوارض الخارجية، ونقل هذا القول أيضا صاحب العوارف وقال عقبة: وهذا قول صحيح ثم ساق حديث الجاريتين عند عائشة.

(وروي عن يحيى بن معاذ) الرازي (أنه قال فقدنا ثلاثة أشياء فما أراها ولا أرها تزداد إلا قلة) أحدها (حسن الوجه) أي: صاحبته أو المراد الإقبال والملقى في الظاهر بين الإخوان (مع الصيانة) عما لا يحل تعاطيه أو مع صيانة للباطن عن التكلف ومخالفة الظاهر (و) الثاني (حسن القول) أي: التكلم بما يثاب عليه (مع الديانة) الحاصلة بالطاعات (و) الثالث (حسن الإخاء) بأن ينتظر كل واحد في حق أخيه كما ينتظر في حق نفسه بل يؤثره على نفسه (مع) دوام (الوفاء) بذلك (ورأيت في بعض الكتب هذا) القول (بعينه محكيا عن الحارث) بن أسد (المحاسبي) -رحمه الله تعالى- قلت: ذكره القشيري في الرسالة فقال: سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر الصوفي يقول سمعت الوجيهي يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: كان الحارث بن أسد المحاسبي يقول: ثلاث إذا وجدن متع بهن وقد فقدناها: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن الصوت مع الديانة، وحسن الإخاء مع الوفاء .

(وفيه ما يدل على تجويزه لسماع الغناء مع زهده وتصاونه وجده في الدين وتشمره) ، ولا يخفى أن هذا لا يتم إلا إن أريد بقوله: حسن القول، الإنشاد، وأما على رواية القشيري: حسن الصوت، فظاهر لا يحتمل التأويل، (قال) أبو طالب (وكان ابن مجاهد) يحتمل أنه أراد به أبا عبد الله بن مجاهد شيخ المتكلمين وهو شيخ القاضي أبي بكر الباقلاني ترجمه السبكي في الطبقات، ويحتمل أنه أراد به أبا بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقري البغدادي المتوفى سنة 324 روى عنه الدارقطني وابن الجنابي وهو ثقة (لا يجيب دعوة إلا أن يكون فيها سماع) أما أبو بكر بن مجاهد فيدل له ما رواه الخطيب في التاريخ بسنده إلى أبي بكر الجنابي الحافظ قال: كنت جالسا عند أبي بكر بن مجاهد فأتاه بعض غلمانه فقال يا أستاذ إن رأيت أن تجملني بحضورك غدا دارنا فقال ينبغي أن تدعو أبا بكر يغنينا فأقبل الفتى يسألني فقلت: أريد ابن عريب، فقال: السمع والطاعة، فلما حضرنا طلبت ابن عريب فقال: حبسه عنا بعض الرؤساء فشق علي، فقال أبو بكر بن مجاهد: من ينوب عن ابن عريب؟ فانتظرته ساعة فلم أره ثم سألت عن الغائب فقال: هات قضيبا وأخذه واندفع يغني فغناني نيفا وأربعين [ ص: 467 ] صوتا في غاية الحسن والطيبة والإطراب، فقلت: يا أستاذ متى تعلمت هذا؟ فقال: يا بارد تعلمته لبغيض مثلك لا يحضر الدعوة إلا بمغن، وأما أبو عبد الله بن مجاهد فبدل له ما ساقه المصنف تبعا لصاحب القوت فقال:

(وحكي عن غير واحد أنه قال: اجتمعنا في دعوة ومعنا أبو القاسم) البغوي (ابن بنت منيع) هو عبد الله بن محمد عبد العزيز سبط أحمد بن منيع إمام حافظ، صنف معجم الصحابة (وأبو بكر) عبد الله (بن أبي داود) سليمان بن الأشعث السجستاني الحافظ ابن الحافظ روى عن عمرو بن علي القلاس، وعيسى بن حماد زغبة ومحمد بن أسلم الطوسي في جماعة آخرهم أحمد بن صالح المصري، روى عنده الدارقطني وابن شاهين وابن سمعون وأبو طاهر المخلص، وكان مولده في سنة ثلاثين ومائتين بسجستان ونيسابور وسمع الكثير وحدث في أصبهان بثلاثين ألف حديث من حفظه، وكانت عنده قوة نفس فوقع بينه وبين محمد بن جرير ويحيى بن محمد بن صاعد فتكلم فيها وتكلما فيه على عادة الأقران قال الدارقطني هو ثقة إلا أنه كثير الخطأ في الكلام على الحديث، وقال صالح جزرة هو إمام العراق في وقته، وقال الخلال: كان أحفظ من أبيه توفي سنة 310 .

( وابن مجاهد في نظرائهم فحضر سماع فجعل ابن مجاهد يحرض ابن بنت منيع على ابن أبي داود في أن يسمع، فقال ابن أبي داود: حدثني أبي عن أحمد بن حنبل) رحمه الله تعالى (أنه كره السماع) وكان أبي يكرهه (وأنا على مذهب أبي) أي في كراهة السمع، (فقال أبو القاسم ابن بنت منيع حدثني جدي) لأمي هو أحمد بن منيع بن عبد الرحمن البغوي أبو جعفر الأصم نزيل بغداد ابن عم إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن البغوي قال النسائي: ثقة، مات سنة 244 وكان مولده سنة 160، روى له البخاري، وروى عنه الباقون (عن صالح بن أحمد) كنيته أبو الفضل، وأمه عباسة بنت الفضل من العرب، وهي أول زوجات أبيه، أقامت معه ثلاثين سنة وما تزوجها إلا بعد أربعين، مولده سنة 203 وتوفي في شهر رمضان سنة 166 عن ثلاثة وستين سنة بأصبهان وقبره عند قبر حمصة بن أبي حمصة الدوسي الصحابي يزار، والدعاء عنده مستجاب، وكان المعتمد قد ولاه القضاء بها، سمع من أبيه مسائل كثيرة إلا أنه قلت روايته عن أبيه لاشتغاله بكثرة عياله .

وروى عن أبي الوليد الطيالسي وعنه ابنه زهير والبغوي ومحمد بن مخلد وعبد الرحمن بن أبي حاتم (أن أباه كان يسمع قول ابن الخبازة) هو محمد بن عبد الله بن يحيى بن زكريا أبو بكر البغدادي الشاعر، ذكره الخطيب في التاريخ، قال الحافظ محمد بن طاهر: حدثنا أبو بكر أحمد بن علي، حدثنا محمد بن الحسين الصوفي، حدثنا الحسين بن أحمد سمعت أبا عباس الحسن الفرغاني يقول: سمعت صالح بن أحمد يقول: كنت أحب السماع، وكان أبي يكره ذلك، فواعدت ليلة ابن الخبازة فمكث عندي إلى أن علمت أن أبي قد نام فأخذ يغني فسمعت حسه فوق السطح فصعدت فرأيت أبي فوق السطح يسمع ما غنى، وذيله تحت إبطه وهو يتبختر فوق السطح كأنه يرقص، وقد روي مثل هذه القصة من وجه آخر عن عبد الله بن أحمد.

قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس، أخبرنا أبو منصور القزاز، حدثنا أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين الثوري، حدثنا يوسف بن عمر القواس سمعت أبا بكر بن مالك القطيعي يحكي، أظنه عن عبد الله بن أحمد قال: كنت أدعو ابن الخبازة وكان أبي ينهانا عن التغني، فكنت إذا كان عندي أكتمه من أبي لئلا يسمع، فجاء ذات ليلة عندي وكان يقول فعرضت لأبي عندنا حاجة، وكانوا في زقاق فجاء فسمعه يقول فوقع في سمعه شيء من قوله فخرجت لأنظر، فإذا بأبي ذاهبا وجائيا فرددت الباب ودخلت، فلما كان الغد قال: يا بني إذا كان مثل هذا فنعم هذا الكلم أو معناه. وأخرجه أيضا ابن طاهر عن أبي غالب الذهلي عن أبي بكر الخطيب مثله (فقال ابن مجاهد لابن أبي داود دعني أنت من أبيك، وقال لابن بنت منيع: دعني أنت من جدك أيش) أي: أي شيء (تقول يا أبا بكر فيمن أنشد بيت شعر أهو حرام) ولفظ القوت: فيمن أنشدك شعرا أحرام عليه، (قال ابن أبي داود: لا، قال: فإن كان حسن الصوت حرم عليه إنشاده) ولفظ القوت فيه تحريم عليه (قال: لا، قال: فإن أنشده وطوله وقصر الممدود ومد المقصور أيحرم عليه؟ قال أقوى لشيطان واحد كيف أقوى لشيطانين) ولفظ [ ص: 468 ] القوت: أنا ما أقوى لشيطان واحد أقوى لشيطانين، ثم قال صاحب القوت: وكان ابن منيع يسمع القول. وقد نقل هذه العبارة أيضا الكمال الأدفوي في الإمتاع، ويقرب من هذا ما أورده ابن طاهر المقدسي قال: أخبرنا أبو محمد التميمي قال سألت الشريف أبا علي محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي عن السماع فقال: ما أدري ما أقول فيه إلا أني حضرت دار شيخنا أبي الحسن عبد العزيز بن الحارث التميمي سنة 270 في دعوة عملها لأصحابه حضرها أبو بكر الأبهري شيخ المالكية، وأبو القاسم الدراكي شيخ الشافعية، وأبو الحسن طاهر بن الحسين شيخ أصحاب الحديث، وأبو الحسين بن سمعون شيخ الوعاظ والزهاد وأبو عبد الله بن مجاهد شيخ المتكلمين وصاحبه أبو بكر الباقلاني في دار شيخنا أبي الحسن التميمي شيخ الحنابلة، فقال أبو علي: لو سقط السقف عليهم لم يبق في العراق من يفتي في حادثة بسنة، وكان أبو عبد الله معهم وكان يقرأ بصوت حسن، فقالوا له: قل شيئا، فقال وهم يستمعون:


خطت أناملها في بطن قرطاس رسالة بعبير لا بأنفاس أن زر فديتك قف لي غير محتشم
فإن حبك لي قد شاع في الناس وكان قولي لمن أدى رسالتها
قفي لأمشي على العينين والراس



قال أبو علي فبعد ما رأيت لا يمكنني أن أفتي بحظر أو إباحة (قال) صاحب القوت: (وكان أبو الحسن العسقلاني الأسود من) كبار (الأولياء) ، وفي بعض نسخ القوت: أبو الخير بدل أبو الحسن (يسمع ويوله) أي: يحصل له الوله حتى يغيب عن نفسه (عند السماع وصنف فيه كتابا رد فيه على منكريه وكذلك جماعة منهم) أي: من الأولياء (صنفوا في الرد على منكريه) ، قال صاحب القوت: أنكرنا السماع مجملا مطلقا غير مقيد مفصل يكون إنكارا على سبعين صديقا، وإن كنا نعلم أن الإنكار أقرب إلى قلوب القراء والمتعبدين إلا أنا نفعل ذلك لأنا نعلم ما لا يعلمون وسمعنا السلف من الأصحاب والتابعين ما لا يسمعون .

قال صاحب العوارف: وهذا قول الشيخ عن علمه الوافر بالسنن والآثار مع اجتهاده وتحريمه الصواب ولكن نبسط لأهل الإنكار لسان الاعتذار ونوضح لهم الفرق بين سماع يؤثر وسماع ينكر .

(وحكي عن بعض الشيوخ أنه قال: رأيت أبا العباس الخضر -عليه السلام- فقلت: ما تقول في هذا السماع الذي اختلف فيه أصحابنا؟ قال: هو الصفاء الزلال الذي لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء) كذا نقله صاحب القوت أي: المزلق للأقدام، ونقله أيضا عن الشهاب السهروردي في العوارف والأدفوي في الإمتاع، ولفظ العوارف: رأى بعض الصالحين أبا العباس الخضر قال قلت: ما تقول؟ فذكره وأورده القشيري في الرسالة وقال: توفي سنة 299 (أنه قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في النوم فقلت: يا رسول الله هل تنكر من السماع شيئا؟ فقال: ما أنكر منه شيئا لكن قل لهم يفتحون قبله القرآن ويختتمون بعده بالقرآن) هكذا أورده صاحب القوت وصاحب الإمتاع، وزاد صاحب العوارف بعده فقلت: يا رسول الله إنهم يؤذونني وينبسطون، فقال: احتملهم يا أبا علي هم أصحابك، فكان ممشاد يفتخر ويقول كناني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .

(وحكي عن طاهر بن هلال الهمداني الوراق وكان من أهل العلم) وفي بعض النسخ طاهر بن بلال بن بلبل، وهو نص القوت (أنه قال: كنت معتكفا في جامع) ثغر (جدة على البحر) وهي فرضة مكة (فرأيت يوما طائفة يقولون في جانب منه) أي: من الجامع (قولا) أي: نشيدا (ويسمعون فأنكرت ذلك بقلبي وقلت) في نفسي (في بيت من بيوت الله يقولون الشعر؟ قال: فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك الليلة وهو جالس في تلك الناحية) التي كانوا ينشدون فيه الشعر (وإلى جانبه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وأبو بكر) -رضي الله عنه- (يقول شيئا من القول والنبي -صلى الله عليه وسلم- يستمع إليه ويضع يده على صدره كالواجد) لذلك (فقلت في نفسي: ما كان ينبغي أن أنكر على أولئك) الثغر (الذين كانوا يستمعون، وهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- [ ص: 469 ] يستمع وأبو بكر) -رضي الله عنه- (يقول فالتفت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: هذا حق بحق، أو قال حق من حق، أنا أشك فيه) هكذا أورده صاحب القوت وتبعه صاحب العوارف (وقال) أبو القاسم (الجنيد) بن محمد سيد الطائفة، وكان يفتي على مذهب أبي ثور (تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواطن عند الأكل; لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة) لينشطوا للعبادة (وعند المذاكرة) في العلم (لأنهم متحاورون في مقامات الصديقين) وأحوالهم (وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد) صادق (ويشهدون حقا) نقله صاحب القوت والعوارف، ولفظ القشيري في الرسالة: وحكي عن جعفر بن نصير عن الجنيد أنه قال: تنزل الرحمة على الفقراء في ثلاثة مواطن عند السماع فإنهم لا يسمعون إلا عن حق، ولا يقولون إلا عن وجد، وعند أكل الطعام فإنهم لا يأكلون إلا عن فاقة وعند مجاراة العلم فإنهم لا يذكرون إلا صفة الأولياء .

(وعن ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشي الأموي أبو الوليد المكي روى عن عطاء وعمرو بن دينار، قال أحمد: هو من أوعية العلم، وقال يحيى بن سعيد: صدوق مات سنة 150 روى له الجماعة (أنه كان يرخص في السماع) ، وقد تقدم ذلك في ترجمته مفصلا (فقيل أيؤتى به يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات; لأنه شبيه باللغو، قال الله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) قال ابن قتيبة : اختلف عند محمد بن إبراهيم في الغناء فبعث إلى ابن جريج وإلى عمرو بن عبيد فأتياه فسألهما، فقال ابن جريج: لا بأس به جئت عطاء بن أبي رباح، وقد ختن ولده وعنده الأبجر يغني فكان إذا سكت لا يقول له غن، وإذا غنى لا يقول له اسكت، وإذا لحن رد عليه، فقال عمرو بن عبيد: فأيهما يكتب الغناء الذي عن اليمين أو الذي عن الشمال؟ فقال ابن جريج: لا يكتبه واحد منهما، وقد تقدم هذا عند ترجمته قريبا .

(هذا ما نقل من الأقاويل) في إباحة السماع (ومن طلب الحق في التقليد فمهما استقصى تعارضت عنده الأقاويل فيبقى متحيرا) فيها (أو مائلا إلى بعض الأقاويل) دون بعض (وكل ذلك قصور) في المقام (بل ينبغي أن يطلب بالحق بطرائقه وذلك بالبحث عن مدارك الحذر والإباحة) والتأمل فيها (كما سنذكره) فيما بعد .




الخدمات العلمية