الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فهذا ما أردنا أن نذكره من فضيلة العزلة والمخالطة .

فإن قلت : فمن آثر العزلة ورآها أفضل له وأسلم فما آدابه في العزلة فنقول : إنما يطول النظر في آداب المخالطة وقد ذكرناها في .

كتاب آداب الصحبة وأما آداب العزلة فلا تطول فينبغي للمعتزل أن .

ينوي بعزلته كف شر نفسه عن الناس أولا .

ثم طلب السلامة من شر الأشرار ثانيا .

التالي السابق


(فهذا ما أردنا أن نذكره من فضيلة العزلة والمخالطة، فإن قلت: فمن آثر العزلة) أي: اختارها (ورآها أفضل له) من الخلطة (وأسلم) لدينه وحاله (فما آدابه في حال العزلة) ليعرفها المعتزل فيكون على بصيرة (فنقول: إنما يطول النظر في آداب المخالطة وقد ذكرناها في كتاب آداب الصحبة) قريبا (وأما آداب العزلة فلا يطول) النظر فيه ولكن يحتاج إلى ذكر ما لا بد منه (فينبغي للمعتزل) عن الخلق (أن ينوي بعزلته كف شر نفسه عن [ ص: 377 ] الناس أولا) كما فعله الراهب حين جعل نفسه كالكلب ونوى بعزلته حبسها عن عقر الناس (ثم طلب السلامة من شر الأشرار ثانيا) ، قال القشيري في رسالته: ومن آثار العزلة أن يعتقد باعتزاله عن الخلق سلامة الناس من شره ولا يقصد سلامته من شر الخلق، فإن الأول من القسمين نتيجة استصغار نفسه والثاني شهود مزيته على الخلق، ومن استصغر نفسه فهو متواضع، ومن رأى لنفسه مزية على أحد فهو متكبر، ثم ساق قصة الراهب ثم قال: ومر إنسان ببعض الصالحين فجمع ذلك الشيخ ثيابه منه، قال الرجل: لم تجمع ثيابك وليست ثيابي نجسة، فقال الشيخ: وهمت في ظنك ثيابي هي النجسة، جمعتها عنك لئلا تتنجس ثيابك لا لكيلا تتنجس ثيابي. اهـ .

قال شيخ الإسلام في شرحه: ومعلوم أن ثياب كل واحد منهما لم تكن نجسة ولكن الشيخ أدب هذا الرجل على سوء ظنه بالناس، المفهوم من كلامه السابق فإنه لا يدرى لم جمع الشيخ ثيابه ولعله جمعها لمقصود آخر لا لنجاستها، وثياب الإنسان قد تطلق على حالته التي هو فيها من سوء خلقه وكثرة وقوعه في الغيبة والكذب والكلام فيما لا يعنيه ونحوها، فكأنه قال: نفسي هي الحقيرة التي لا تصلح تخالط الناس، وهذا هو اللائق بما قصده من أن العبد يقصد بعزلته عن الناس سلامتهم من شره لا سلامته من شرهم. اهـ .

وإنما قال المصنف: من شر الأشرار، ولم يقل: من شرهم، إشارة إلى أنه ليس كل خليط شريرا، فإذا لم يكن كذلك فلا يطلب السلامة منه؛ لأنه لا شر عنده وهو احتراس حسن، وإن كان يفهم من قولهم من شرهم أي: من شر أشرارهم؛ فتأمل .




الخدمات العلمية