الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم الخلاص من آفة القصور عن القيام بحقوق المسلمين ثالثا .

ثم التجرد بكنه الهمة لعبادة الله ، رابعا فهذه آداب نيته .

ثم ليكن في خلوته مواظبا على العلم والعمل والذكر والفكر ليجتني ثمرة العزلة وليمنع الناس عن أن يكثروا غشيانه وزيارته فيشوش أكثر وقته .

وليكف عن السؤال عن أخبارهم وعن الإصغاء إلى أراجيف البلد وما الناس مشغولون به فإن كل ذلك ينغرس في القلب حتى ينبعث في أثناء الصلاة أو الفكر من حيث لا يحتسب فوقوع الأخبار في السمع كوقوع البذر في الأرض فلا بد أن ينبت وتتفرع عروقه وأغصانه ويتداعى بعضها إلى بعض .

التالي السابق


(ثم الخلاص من آفة القصور عن القيام بحقوق المسلمين ثالثا) لأنه إذا خالط كثرت بذمته حقوقهم وهو لا يقدر أن يفي بها وعدم القدرة على الوفاء بها آفة كبيرة؛ فإذا اعتزل خلص منها، ومن هنا ما نقل عن الشيخ العارف خواجة عبيد الله الأحرار السمرقندي، أحد أعيان الطائفة النقشبندية، أنه كان يقول: لا أسكن بلدة فيها آل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا كلام فيه غموض في بادئ الأمر، وإنما مراده بذلك أن هؤلاء لهم حقوق خاصة في المجاورة والمخالطة غير حقوق العامة، وهو لا يقدر على الوفاء بها فرأى الاعتزال عن تلك البلدة أو المحلة أسلم في حقه .

(ثم التجرد بكنه الهمة لعبادة الله، رابعا) وتلك العبادة أعم من أن تكون صلاة أو قراءة أو ذكرا أو فكرا أو مراقبة في جلال الملكوت (فهذه آداب نيته) في أول دخوله في العزلة (ثم ليكن في خلوته مواظبا على العلم) أي: دراسته مع نفسه والوقوف على مهماته بتكرار النظر فيه ليعطي له قوة الرسوخ في ذهنه، والمراد به ما يصحح به عقد توحيده؛ لكيلا يستهويه الشيطان بوسواسه ومن علوم الشرع ما يؤدي به فرضه ليكون بناء أمره على أساس محكم (و) على (العمل) بالجوارح قدر طاقته (و) على (الذكر) باللسان (و) على (الفكر) بالقلب والروح (ليجتبي تمر العزلة) وقال القشيري: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: من اختار الخلوة على الصحبة ينبغي أن يكون خاليا من الأذكار إلا ذكر ربه ومن جميع الإرادات إلا رضا ربه ومن مطالبة النفس من جميع الأسباب، فإن لم تكن هذه صفته فإن خلوته توقعه في فتنة أو بلية .

(وليمنع الناس أن يكثروا غشيانه وزيارته فيشوش وقته) ويتشتت جمعه وينقسم باله (ويكف عن السؤال عن أخبارهم) وأحوالهم (وعن الإصغاء إلى أراجيف البلد) أي: الأخبار المختلفة التي ترجف الحواس (وما الناس مشتغلون به) من خير أو شر (فإن كل ذلك ينغرس في القلب) ويثبت، والأذن هي الواسطة لإيصاله إليه (حتى ينبعث في الصلاة الفكر من حيث لا يحتسب) ولا يقوى على مدافعته لرسوخه (فوقوع الأخبار في السمع كوقوع البذر في الأرض) الصالحة للغرس (فلا بد وأن ينبت) ذلك البذر ويثبت (ويتفرع عروقه) في الأرض (وأغصانه) في الهواء (ويتداعى بعضه إلى بعض) فليحذر من إيصال شيء من المكدرات إلى السمع حتى يسلم القلب .




الخدمات العلمية