الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أول درجة السماع فهم المسموع وتنزيله

فإن القلب أيضا إذا التفت إلى الشهود وإلى نفسه بأنه مشاهد فقد غفل عن المشهود .

فالمستهتر بالمرئي لا التفات له في حال استغراقه إلى رؤيته ولا إلى عينه التي بها رؤيته ، ولا إلى قلبه الذي به لذته فالسكران لا خبر له من سكره والمتلذذ ، لا خبر له من التذاذه ، وإنما خبره من المتلذذ به فقط .

ومثاله العلم بالشيء فإنه مغاير للعلم بالعلم بذلك الشيء فالعالم بالشيء مهما ورد عليه العلم بالعلم بالشيء كان معرضا عن الشيء، ومثل هذه الحالة قد تطرأ في حق المخلوق وتطرأ أيضا في حق الخالق ، ولكنها في الغالب تكون كالبرق الخاطف الذي لا يثبت ولا يدوم وإن ، دام لم تطقه القوة البشرية فربما .اضطرب تحت أعبائه اضطرابا تهلك به نفسه .

كما روي عن أبي الحسن النوري أنه حضر مجلسا فسمع هذا البيت .


ما زلت أنزل من ودادك منزلا تتحير الألباب عند نزوله

فقام وتواجد وهام على وجهه فوقع في أجمة قصب قد قطع وبقيت أصوله مثل السيوف فصار يعدو فيها ويعيد البيت إلى الغداة والدم يخرج من رجليه حتى ورمت قدماه وساقاه وعاش بعد ذلك أياما ومات رحمه الله .

فهذه درجة الصديقين في الفهم والوجد فهي أعلى الدرجات ; لأن السماع على الأحوال نازل عن درجات الكمال ، وهي ممتزجة بصفات البشرية وهو نوع قصور وإنما الكمال أن يفنى بالكلية عن نفسه وأحواله أعني أنه ينساها فلا يبقى له التفات إليها كما لم يكن للنسوة التفات إلى الأيدي والسكاكين .

فيسمع لله وبالله وفي الله ومن الله وهذه رتبة من خاض لجة الحقائق وعبر ساحل الأحوال والأعمال واتحد بصفاء التوحيد وتحقق بمحض الإخلاص فلم يبق فيه منه شيء أصلا بل خمدت بالكلية بشريته وفني التفاته إلى صفات البشرية رأسا ولست أعني بفنائه فناء جسده بل فناء قلبه ، ولست أعني بالقلب اللحم والدم بل سر لطيف له إلى القلب الظاهر نسبة خفية وراءها سر الروح الذي هو من أمر الله عز وجل عرفها من عرفها وجهلها من جهلها ، ولذلك السر وجود .

وصورة ذلك الوجود ما يحضر فيه فإذا حضر فيه غيره فكأنه لا وجود إلا للحاضر .

ومثاله المرآة المجلوة إذ ليس لها لون في نفسها بل لونها لون الحاضر فيها ، وكذلك الزجاجة فإنها تحكي لون قرارها ولونها لون الحاضر فيها .

، وليس لها في نفسها صورة بل صورتها قبول الصور ولونها هو هيئة الاستعداد لقبول الألوان ويعرب عن هذه الحقيقة أعني سر القلب بالإضافة إلى ما يحضر فيه قول الشاعر .


رق الزجاج ورقت الخمر     فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح     وكأنما قدح ولا خمر

وهذا مقام من مقامات علوم المكاشفة منه نشأ خيال من ادعى الحلول والاتحاد وقال : أنا الحق وحوله يدندن كلام النصارى في دعوى اتحاد اللاهوت بالناسوت أو تدرعها بها أو حلولها فيها على ما اختلف فيهم عباراتهم وهو غلط محض يضاهي غلط من يحكم على المرآة بصورة الحمرة إذ ظهر فيها لون الحمرة مقابلها .

التالي السابق


ثم استدل المصنف على قوله: وفني أيضا عن الشهود فقال: (فإن القلوب إن التفت إلى الشهود وإلى نفسه بأنه مشاهد فقد غفل عن المشهود، فالمستهتر بالمرئي) ، وفي بعض النسخ فالمستغرق بالمرئي (لا التفات له في حال استغراقه إلى رؤيته ولا إلى عينه التي بها رؤيته، ولا إلى قلبه الذي به لذته فالسكران لا خبر له من سكره، والملتذ لا خبر له من التذاذه، وإنما خبره من الملتذ به فقط) ، وهذا مقام من أطلق من وثائق الأحوال وصار بالله لا بالأحوال، وخرج من القلب فصار مع تقلبه لا مع قلبه .

(ومثاله العلم بالشيء فإنه مغاير للعلم بالعلم بذلك الشيء فالعالم بالشيء مهما ورد عليه العلم بالعلم بالشيء كان معرضا عن الشيء، ومثل هذه الحالة قد تطرأ في حق المخلوقين وتطرأ أيضا في حق الخالق، ولكنها في الغالب تكون كالبرق الخاطف لا يثبت ولا يدوم، فإن دام لم تطقه القوة البشرية فربما تضطرب تحته اضطرابا تهلك فيه نفسه) وقد يتفق أن صاحب هذا الاستغراق يتسع وعاؤه حتى لعله يكون متحققا في الفناء ومعناه روحا وقلبا، ولا يغيب عن كل ما يجري من قول وفعل، وإلى الأول أشار المصنف بقوله (كما روي عن أبي الحسين) أحمد بن محمد (النوري) البغدادي كان من أقران الجنيد مات سنة 298 (أنه حضر مجلسا) فيه سماع (فسمع) من القوال (هذا البيت) لبعضهم:


(ما زلت أنزل من ودادك منزلا تتحير الألباب عند نزوله)

فقام وتواجد وهام على وجهه فوقع في أجمة قصب قد قطع وبقي أصولها مثل السيوف فكان يغدو فيها [ ص: 538 ] ويروح (ويعيد البيت) المذكور (إلى الغداة والدم يجرى) ، وفي نسخة: يخرج (من رجليه حتى ورمت قدماه وساقاه وعاش بعده أياما ومات -رحمه الله تعالى-، فهذه درجة الصديقين في الفهم والود وهي أعلى الدرجات; لأن السماع على الأحوال نازل عن درجات الكمال، وهي ممتزجة بصفات البشرية وهو نوع قصور) عند أهل العرفان .

(وإنما الكمال أن يفنى بالكلية عن نفسه وأحواله أعني أنه ينساها فلا يبقى له التفات إليها) أي: إلى الأحوال وإلى النفس (كما لم يكن للنسوة التفات إلى اليد والسكين) ، وفي نسخة إلى الأيدي والسكاكين، (فيسمع بالله وفي الله ولله ومن الله) ، وإليه يشير ما نقله القشيري عن بندار بن الحسين بعد أن نقل من يسمع بطبع وبحال فقال: وأما من يسمع بحق فيسمع بالله ولله، ولا يتصف بهذه الأحوال التي هي ممزوجة بالحظوظ البشرية، فإنها مبناة مع العلل فيسمعون من حيث إبقاء التوحيد بحق لا بحظ، ونقل أيضا عن بعضهم أن أهل السماع على ثلاث طبقات: أبناء الحقائق يرجعون في سماعهم إلى مخاطبة الحق لهم، وضرب يخاطبون الله تعالى بقلوبهم بمعاني ما يسمعون فهم مطالبون بالصدق فيما يشيرون به إلى الله تعالى، وثالث: هو فقير مجرد قطع العلاقات من الدنيا والآفات يسمعون بطيبة قلوبهم وهؤلاء أقربهم إلى السلامة . اهـ .

(وهذه رتبة من خاض لجة الحقائق) فظفر منها بلطائف الرقائق، (وعبر ساحل الأحوال والأعمار) ، ولم يقف عندها (واتحد بصفاء التوحيد) الخالص من كدورات الشبه (وتحقق بمحض الإخلاص) أي: تمكن منه (فلم يبق فيه منه) أي: من نفسه (شيء أصلا بل خمدت بالكلية بشريته) وزالت صفاتها (وفني التفاتها إلى صفات البشرية رأسا) أي: من أصله ومن ههنا ترقى العارفون من حضيض المجاز إلى ارتفاع الحقيقة واستكملوا معراجهم فرأوا بالمشاهدة العبرانية أن ليس في الوجود إلا الله وكل شيء سواه إذا اعتبرت ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض، وإذا اعتبر من الوجه الذي يسري إليه الوجود من الأول رأى موجودا لا في ذاته لكن من الوجه الذي يلي موجده فيكون الموجود وجه الله فقط .

(وليست أعني بفنائه فناء جسده بل فناء قلبه، ولست أعني بالقلب اللحم والدم بل سر لطيف له إلى القلب الظاهر نسبة خفية وراءها سر الروح الذي هو من أمر الله -عز وجل- عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، ولذلك السر وجود وصورة ذلك الوجود وما يحضر فيه فإذا حضر فيه غيره فكأنه لا وجود إلا للحاضر) . قال المصنف في كيمياء السعادة وليس القلب هذه القطعة من اللحم التي في الصدر من الجانب الأيسر؛ لأنه يكون في الدواب ويكون في الموتى، وكل شيء تبصره بعين الظاهر فهو من هذا العالم الذي سمي عالم الشهادة، وأما حقيقة القلب فليس من هذا العالم لكنه في عالم الغيب فهو في هذا العالم غريب، ثم قال: والروح من عالم الأمر، والإنسان من عالم الخلق من جانب فكل شيء يجوز عليه المساحة والمقدار والكيفية فهو من عالم الخلق وليس للقلب مساحة ولا مقدار، ولهذا لا يقبل القسمة، ولو قبل القسمة لكان من عالم الخلق، وكان من جانب الجهل ومن جانب العلم، وكل شيء يكون فيه جهل وعلم فهو محال، وفي معنى آخر هو من عالم الأمر له عبارة عن شيء من الأشياء ولا يكون عليه طريق المساحة والكيفية .

(ومثاله المرآة المجلوة إذ ليس لها لون في نفسها بل لونها لون الحاضر فيها، وكذلك الزجاجة فإنها تحكي لون قرارها ولونها لون الحاضر في نفسها، وليس لها في نفسها صورة بل صورتها قبول الصورة ولونها هو هيئة الاستعداد لقبول الألوان) .

قال المصنف في المقصد الأسنى: من ينظر إلى مرآة انطبعت فيها صورة متلونة فيظن أن تلك الصورة صورة المرآة وأن ذلك اللون لون المرآة وهيهات، بل المرآة في ذاتها لا لون لها وشأنها قبول صور الألوان على وجه يتخايل إلى الناظرين إلى ظاهر الأمور أن ذلك هو صورة المرآة حقا حتى أن الصبي إذا رأى إنسانا في المرآة ظن أن الإنسان في المرآة، فكذلك القلب خال من الصورة في نفسه من الهيئات، وإنما هيئاته قبول معاني الهيئات والصور والحقائق فما يحله يكون كالمتحد به لا أنه كالمتحد به تحقيقا، ومن لا يعرف الزجاج والخمر إذا رأى زجاجة فيها [ ص: 539 ] خمر لم يدرك تباينهما فتارة يقول لا خمر، وتارة يقول لا زجاجة، (ويعرب عن هذه الحقيقة في القلب بالإضافة إلى ما يحضر فيه قول الشاعر) :


(رق الزجاج ورقت الخمر     وتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح     وكأنما قدح ولا خمر)



وقال في مشكاة الأنوار بعد كلام ساقه في وحدة الوجود: ولا يبعد أن يفجأ الإنسان مرآة فينظر فيها ولم ير المرآة فقط فيظن أن الصورة التي يرى في المرآة متحدة بها ويرى الخمر في الزجاج، فيظن أن الخمر لون الزجاج فإذا صار ذلك عنده مالوا ورسخ فيه قدمه استغربه، فقال: رق الزجاج ورقت الخمر. إلخ. وفرق بين أن يقول: الخمر قدح وبين أن يقول: كأنه القدح، وهذه الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحالة فناء بل فناء الفناء; لأنه فني عن نفسه وفني عن فنائه، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال ولا يعدم شعوره ولو شعر بعدم شعوره بنفسه كان قد شعر بنفسه وتسمى هذه الحال بالإضافة إلى المستغرق به بلسان المجاز اتحادا وبلسان الحقيقة توحيدا .

(وهذا مقام من مقامات علوم المكاشفة) ووراءها أيضا أسرار يطول الخوض فيها (منها نشأ خيال من ادعى الحلول والاتحاد وقال: أنا الحق) كما صدر من الحلاج أو سبحاني ما أعظم شأني، كما صدر عن أبي يزيد البسطامي (وحولها يدندن كلام النصارى في دعوى اتحاد اللاهوت بالناسوت أو تدرعها بها أو حلولها فيها على ما اختلفت فيه عباراتهم وهو خطأ محض يضاهي غلط من يحكم على المرآة بصورة الحمرة إذا ظهر فيها لون الحمرة من مقابلها) .

قال المصنف في مشكاة الأنوار: العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة اتفقوا أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق لكن منهم من كان له هذه الحال عرفانا علميا، ومنهم من صار له ذلك ذوقا حالا، وانتفت عنهم الكثرة بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة، واستوفيت فيها عقولهم فصاروا كالمبهوتين فيه، ولم يبق فيهم متسع لا لذكر غير الله ولا لذكر أنفسهم أيضا، فلم يكن عندهم إلا الله فسكروا سكرا وقع دون سلطان عقولهم، فقال أحدهم: أنا الحق، وقال الآخر: سبحاني ما أعظم شأني، وقال الآخر: ما في الجبة إلا الله، وكلام العشاق في حال السكر يطوى ولا يحكى، فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان الله في أرضه عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل يشبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا

ثم أورد الكلام الذي أسبقناه قريبا .

وقال في المقصد الأسنى عند ذكر اسمه الحق: حظ العبد من هذا الاسم أن يرى نفسه باطلا ولا يرى غير الله حقا، والعبد وإن كان حقا فليس هو حقا لنفسه بل هو حق لغيره وهو الله سبحانه وتعالى; فإنه موجود به لا بذاته بل هو بذاته باطل لولا إيجاد الحق له ، فقد أخطأ من قال: أنا الحق إلا بأحد وجهين: أحدهما: أنه يعني أنه بالحق، وهذا التأويل بعيد لأن اللفظ لا ينبئ عنه، ولأن ذلك لا يخصه بل كل شيء سوى الحق فهو بالحق. الثاني: أن يكون مستغرقا بالحق حتى لا يكون فيه مستمع لغيره، وما أخذ كلية الشيء واستغراقه فقد يقال: أنه كما قال الشاعر:


أنا من أهوى ومن أهوى أنا

ويعني به الاستغراق، وأهل التصوف لما كان الغالب عليهم رؤية فناء أنفسهم من حيث ذاتهم وملاحظتهم جانب الحق كان الجاري على ألسنتهم من أسماء الله تعالى في أكثر الأحوال اسم الحق; لأنهم يلحظون الذات بالحقيقة دون ما هو هالك في نفسه .

وقال في خاتمة هذا الكتاب: وحيث يطلق الاتحاد ويقال: هو هو لا يكون إلا بطريق التوسع والتجوز اللائق بعادة الصوفية والشعراء فإنهم لأجل تحسين موقع الكلام في الأفهام يسلكون سبيل الاستعارة كما يقول الشاعر:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا

وذلك مؤول عند الشاعر فإنه لا معنى; لأنه هو تحقيقا بل كأنه هو فإنه مستغرق الهم به كما يكون هو مستغرق الهم بنفسه فيعبر عن هذه الحالة بالاتحاد على سبيل التجوز، وعليه ينبغي أن يحمل كلام أبي يزيد حيث قال: انسلخت نفسي عن نفسي كما تنسلخ الحية من جلدها فنظرت فإذا أنا هو، فيكون معناه أن ينسلخ من شهوات نفسه وهواها وهمها [ ص: 540 ] فلا يبقى فيه متسع لغير الله تعالى ولا يكون هم سوى الله تعالى، وإذا لم يحل في القلب إلا جلال الله تعالى وجماله حتى صار مستغرقا به يصير كأنه هو لا أنه هو تحقيقا .

وفرق بين قولنا: هو هو وبين قولنا: كأنه هو، ولكن قد يعبر بقولنا: هو هو عن قولنا: كأنه هو، وهذه مزلة قدم، فإن من ليس له قدم راسخ في المقولات ربما لم يتميز له أحدهما: عن الآخر فينظر إلى كمال ذاته، وقد تزين بما تلألأ فيه من حلية الحق، فيظن أنه هو فيقول: أنا الحق وهو غالط غلط النصارى، حيث رأوا ذلك في ذات عيسى -عليه السلام- فقالوا هو الإله بل من غلط من ينظر إلى المرآة انطبعت فيها صورة متلونة، ثم ساق الكلام الذي ذكرته قريبا، ثم قال: وقول من قال: أنا الحق، إما أن يكون معناه قول الشاعر: "أنا من أهوى" وإما أن يكون قد غلط في ذلك كما غلط النصارى في ظنهم اتحاد اللاهوت بالناسوت .

وقول أبي يزيد إن صح عنه: سبحاني ما أعظم شأني، إما أن يكون جاريا على لسانه في معرض الحكاية من الله تعالى، وإما أن يكون قد شاهد كمال حظه في صفة القدس عن باب الترقيات عاجز عن قدس نفسه وقال سبحاني أي: عظم شأنه بالإضافة إلى شأن عموم الخلق فقال: ما أعظم شأني، وهو مع ذلك يعلم إن قدسه وعظم شأنه بالإضافة إلى الخلق ولا نسبة إن قدس الرب وعظم شأنه، وأما أن يكون قد جرى هذا اللفظ في سكر وغلبات الأحوال فإن الرجوع إلى الصحو واعتدال الحال يوجب حفظ اللسان عن الألفاظ الموهمة ، وحال السكر ربما لا يحتمل ذلك، فإن جاوزت هذين التأويلين إلى الاتحاد، فذلك محال قطعا .

وأما الحلول فإن المفهوم منه أمران: أحدهما: النسبة التي بين الجسم وبين مكانه الذي يكون فيه، وذلك لا يكون إلا بين جسمين، فالبريء عن معنى الجسمية يستحيل في حقه ذلك، والثاني: النسبة التي بين العرض والجوهر، فإن العرض يكون قوامه بالجوهر فقد يعين بأنه حال فيه، وذلك محال على كل ما قوامه بنفسه فدع عنك ذكر الرب تعالى في هذا العرض، فإن كل ما قوامه بنفسه يستحيل أن يحل فيما قوامه بنفسه إلا بطريق المجاورة الواقعة بين الأجسام فلا يتصور الحلول بين عبدين، فكيف يتصور بين العبد والرب، فإذا بطل الحلول والانتقال والاتحاد لم يبق لقولهم معنى إلا ما أشرنا إليه، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث