الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القسم الثاني ما يتجدد من الوظيفة بسبب السفر وهو علم القبلة والأوقات

وأما دليل صحة الصورة التي صورناها وهو حصر جهات العالم في أربع جهات فقوله صلى الله عليه وسلم في آداب قضاء الحاجة : لا تستقبلوا بها القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا .

وقال : .

هذا بالمدينة والمشرق على يسار المستقبل بها والمغرب على يمينه فنهى عن جهتين ورخص في جهتين .

ومجموع ذلك أربع جهات .

ولم يخطر ببال أحد أن جهات العالم يمكن أن تفرض في ستة أو سبعة أو عشر .

وكيفما كان فما حكم الباقي بل الجهات تثبت في الاعتقادات بناء على خلقة الإنسان وليس له إلا أربع جهات قدام وخلف ويمين وشمال ، فكانت الجهات بالإضافة إلى الإنسان في ظاهر النظر أربعا .

والشرع لا يبنى إلا على مثل هذه الاعتقادات فظهر أن المطلوب الجهة وذلك يسهل أمر الاجتهاد فيها وتعلم به أداة ، القبلة .

فأما مقابلة العين فإنها تعرف بمعرفة مقدار عرض مكة عن خط الاستواء ومقدار درجات طولها وهو بعدها عن أول عمارة في المشرق .

ثم يعرف ذلك أيضا في موقف المصلي ثم يقابل أحدهما بالآخر .

ويحتاج فيه إلى آلات وأسباب طويلة والشرع غير مبني عليها قطعا .

فإذن القدر الذي عليه السلام .

لا بد من تعلمه من أدلة القبلة موقع المشرق والمغرب في الزوال وموقع الشمس وقت العصر
فبهذا يسقط الوجوب .

فإن قلت : فلو خرج المسافر من غير تعلم ذلك هل يعصى ؟ فأقول : إن كان طريقه على قرى متصلة فيها محاريب أو كان معه في الطريق بصير بأدلة القبلة موثوق بعدالته وبصيرته ويقدر على تقليده فلا يعصى .

وإن لم يكن معه شيء من ذلك عصى .

; لأنه سيتعرض لوجوب الاستقبال ولم يكن قد حصل علمه فصار ذلك كعلم التيمم وغيره .

فإن تعلم هذه الأدلة واستبهم عليه الأمر بغيم مظلم .

أو ترك التعلم ولم يجد في الطريق من يقلده فعليه أن يصلي في الوقت على حسب حاله ثم عليه القضاء سواء أصاب أم أخطأ .

والأعمى ليس له إلا التقليد فليقلد من يوثق بدينه وبصيرته إن كان مقلده مجتهدا في القبلة وإن كانت القبلة ظاهرة فله اعتماد قول كل عدل يخبره بذلك في حضر أو سفر .

التالي السابق


(وأما دليل الصورة التي صورناها) آنفا (في حصر جهات العالم في أربع) فقط (فقوله -صلى الله عليه وسلم- في آداب قضاء الحاجة: لا تستقبلوا بها القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا) .

قال العراقي: متفق عليه من حديث أبي أيوب . اهـ .

قلت: وكذلك رواه النسائي والطبراني ولفظهم: لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط أو بول ولكن شرقوا أو غربوا. وفي لفظ عند الطبراني وسمويه: لا تستقبلوا القبلة بفروجكم ولا تستدبروها. ورواه أبو يعلى من حديث أسامة بن زيد بلفظ: لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول، (وقال: هذا بالمدينة والمشرق على يسار المستقبل لها والمغرب على يمينه) إذ هي واقعة بين المشرق والمغرب، وهي إلى طرف المغرب أميل كما تقدم، (فنهى عن جهتين) الاستقبال والاستدبار (ورخص في جهتين) التشريق والتغريب (ومجموع ذلك أربع جهات) قدام ووراء والشرق والغرب، (ولم يخطر ببال أحد أن جهات العالم يمكن أن تفرض ستة أو سبعة أو عشرة وكيفما كان فما حكم الباقي) منها (بل الجهات تثبت في الاعتقادات بناء على خلقة الإنسان ليس له الأربع جهات قدام وخلف ويمين وشمال، فكانت الجهة بالإضافة إلى الإنسان في ظاهر النظر أربعا، والشرع لا يبنى إلا على مثل هذه الاعتقادات فظهر) مما تقدم (أن المطلوب) [ ص: 448 ] بالاجتهاد في الأقطار النائية (الجهة) لا العين (وذلك يسهل أمر الاجتهاد فيها، ويعلم أدلة القبلة، فأما مقابلة العين فإنها تعرف بمعرفة مقدار عرض مكة عن خط الاستواء) هي الدائرة التي في سطح دائرة معدل النهار على وجه الأرض، وإنما سميت بخط الاستواء لكون الفلك هناك متحركا كأعلى الاستواء ولاستواء الليل والنهار فيه أبدا بالتقريب ويعلم منه أيضا وجه التسمية بمعدل النهار .

(و) معرفة (مقدار درجات طولها وهو بعدها عن أول عمارة في المشرق) وهو الموضع المعروف بجزائر الخالدات وجزائر السعداء، وقيل: موضع يسمى بكنك دز يقال: إن أرصاد علماء الهند كانت هناك، وهو آخر العمارة في جهة المشرق على زعمهم، وهذا الموضع هو مستقر الشياطين على زعم براهمة الهند، وقيل: آخر عمارة المشرق جزيرة يسميها الهنود جمكوت وهي آخر عمارة تصل إليها، والبعد بين كنك دز وبين الجزائر الخالدات مائة وثمانون درجة، قال الجفميني في شرح الملخص: طول مكة من جزائر الخالدات سبع وسبعون درجة وعشر دقائق وعرضها من خط الاستواء إحدى وعشرون درجة وأربعون دقيقة (ثم يعرف ذلك أيضا في موقف المصلي) من أي بلد كان، (ثم يقابل أحدهما بالآخر) ، وهذا لا بد من ذلك، وتقدم عن كتاب القبلة لأبي حنيفة الدينوري ما يؤيد ذلك، فإنك إذا لم تقابل أحدهما بالآخر وأنت بمكة أين بلدك وكيف جهته فما ينفعك من النظر إلى الجدي .

(ويحتاج فيه إلى آلات وأسباب طويلة) ، وتلك الآلات هندسية ومن أشد ما يحتاج إليه في معرفة سمت القبلة الدائرة الممثلة في الأفق وهي معروفة عند أهل العلم وسهلة الصنعة عليهم، (والشرع غير مبني عليها قطعا) إذ لم يثبت ذلك عن السلف، (فإذا القدر الذي لا بد من تعلمه من أدلة القبلة موقع الشرق والغرب والزوال وموقع الشمس وقت العصر، فهذا يسقط الوجوب فإن قلت: فلو خرج المسافر) من مستقره إلى بلد آخر (من غير تعلم ذلك هل يعصي؟ فأقول: إن كان) ذلك المسافر (طريقه على قرى متصلة فيها محاريب) للمسلمين معروفة في مساجدهم (أو كان معه في الطريق) رجل (بصير) عارف بأدلة القبلة (موثوق بعدالته وبصيرته) يستوي فيه الرجل والمرأة والعبد، ولا يقبل كافر قطعا ولا فاسق وصبي مميز على الصحيح فيهما، (يقدر على تقليده فلا يعصي فإن لم يكن معه شيء من ذلك عصى; لأنه سيتعرض) وفي نسخة: متعرض (لوجوب الاستقبال ولم يكن قد حصل علمه فصار ذلك كعلم التيمم وغيره، فإن تعلم هذه الأدلة واستبهم عليهم الأمر إما بغيم مظلم) طبق أفق السماء (أو ترك التعلم ولم يجد في الطريق من يقلده فعليه أن يصلي في الوقت) إن خاف فوته (على حسب حاله ثم عليه القضاء سواء خاف خروج الوقت أو لم يخفه) ، لكن إن ضاق الوقت صلى كيف كان وتجب الإعادة، هذا هو الصحيح، وفيه وجه لابن سريج أنه يقلد عند خوف الفوات، وفي وجه ثالث: يصبر إلى أن فات الوقت ولو خفيت الدلائل على المجتهد لغيم أو ظلمة أو تعارض أدلة فثلاثة طرق أصحها قولان، أظهرهما لا يقلد والثاني يقلد، والطريق الثاني لا يقلد والثالث يصلي بلا تقليد كيف كان ويقضي، فإن قلنا يقلد لم تلزمه الإعادة على الصحيح وقول الجمهور، قال إمام الحرمين: هذا الطريق إذا ضاق الوقت وقبل ضيقه يصبر ولا يقلد قطعا، قال: وفيه احتمال من التيمم أول الوقت، (و) إذا لم يقدر على الاجتهاد بأن عجز عن تعلم الأدلة مثل (الأعمى) والبصير الذي لا يعرف الأدلة ولا له معرفتها، (ليس له إلا التقليد فليقلد من يوثق بدينه ومعرفته إن كان مقلدا مجتهدا في القبلة) وهو كل مكلف مسلم عدل عارف بالأدلة سواء فيه الرجل والمرأة والعبد، وفي وجه شاذ: له تقليد صبي مميز، والتقليد قبول قوله المستند إلى الاجتهاد، فلو قال بصير: رأيت القطب أو رأيت الخلق العظيم من المسلمين يصلون إلى هنا كان الأخذ به قبول خبر لا تقليد، ولو اختلف عليه اجتهاد مجتهدين قلد من شاء منهما على الصحيح والأولى تقليد الأوثق والأعلم، وقيل: يجب ذلك، وقيل: يصلي مرتين إلى الجهتين .

(وإن كانت القبلة ظاهرة فله اعتماد قول كل عدل يخبره بذلك في حضر أو سفر) ثم قد يكون الخبر صريح لفظ وقد يكون دلالة كالمحراب المعتمد وسواء [ ص: 449 ] في العمل بالخبر أهل الاجتهاد وغيره حتى الأعمى يقصد المحراب إذا عرفه بالمس حيث يعتمده البصير، وكذا البصير في الظلمة، وقال صاحب العدة: إنما يعتمد الأعمى على المس في محراب رآه قبل الأعمى، فإن لم يكن شاهده لم يعتمده ولو اشتبه عليه مواضع لمسها فشك أنه يصير حتى يخبره غيره صريحا، فإن خاف فوت الوقت صلى وأعاد، هذا كله إذا وجد من يخبر عن علم وهو ممن يعتمد قوله، أما إذا لم يجد العاجز من يخبره فتارة يقدر على الاجتهاد وتارة لا يقدر، فإن قدر لزمه واستقبل ما ظنه القبلة ولا يصح الاجتهاد إلا بأدلة القبلة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث