الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 467 ] 1001 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهيه عن بيع الرطب بالتمر .

6161 - حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب : أن مالك بن أنس ، وأسامة بن زيد أخبراه ، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان ، أن زيدا أبا عياش أخبره .

أنه سأل سعدا عن السلت بالبيضاء ، فقال سعد : شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الرطب بالتمر ، فقال : أينقص الرطب إذا جف ؟ فقالوا : نعم . فقال : فلا إذا ، وكرهه .

فأما حديث مالك بن أنس ، عن عبد الله بن يزيد هذا ، فلا [ ص: 468 ] اختلاف عنه فيه أنه كما رويناه عنه .

6162 - وقد حدثنا أيضا المزني ، حدثنا الشافعي ، عن مالك ، عن عبد الله بن يزيد ، مولى الأسود بن سفيان ، أن زيدا أبا عياش أخبره أنه سئل سعد بن أبي وقاص ، ثم ذكر مثله سواء .

[ ص: 469 ]

6163 - وحدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا بشر بن عمر الزهراني ، وأبو داود الطيالسي ، وأبو عامر العقدي ، وعثمان بن عمر بن فارس ، وسعيد بن منصور ، ويحيى بن عبد الله بن بكير ، واللفظ لبشر بن عمر قالوا : أخبرنا مالك بن أنس ، عن عبد الله بن يزيد ، عن زيد أبي عياش قال :

سئل سعد بن مالك ، عن البيضاء بالسلت ، فقال : بينهما ، فضل ؟ فقلت : نعم . فقال : فلا إذا ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرطب - رجع إلى لفظ بشر بن عمر - قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرطب بالتمر ، فقال لمن حوله : أينقص الرطب إذا يبس ؟ قالوا : نعم . فنهى عنه .

6164 - وحدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا أبو المطرف ، وإبراهيم ابنا أبي الوزير قالا : حدثنا مالك ، عن عبد الله بن يزيد ، عن زيد أبي عياش .

عن سعد بن أبي وقاص قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسئل عن الرطب بالتمر ، فسأل من عنده : أينقص الرطب إذا يبس ؟ قالوا : نعم . فنهى عنه .

[ ص: 470 ]

6165 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا عثمان بن عمر ، وأبو عامر قالا : حدثنا مالك ، عن عبد الله بن يزيد ، عن أبي عياش .

عن سعد بن أبي وقاص : أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرطب بالتمر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن حوله : أينقص الرطب إذا جف ؟ قالوا : نعم . فنهى عنه .

6166 - وحدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري ، حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي ، حدثنا مالك ، عن عبد الله بن يزيد ، عن أبي عياش .

عن سعد بن أبي وقاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرطب بالتمر ، فقال لمن حوله : أينقص إذا يبس؟ قالوا : نعم قال : فلا إذا .

6167 - وحدثنا الحسن بن غليب الأزدي ، حدثنا يوسف بن عدي ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان الرازي ، عن مالك بن أنس ، عن عبد الله بن يزيد ، مولى الأسود بن سفيان قال : حدثنا أبو عياش مولى [ ص: 471 ] سعد بن أبي وقاص .

عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرطب بالتمر ، فقال : هل ينقص الرطب إذا يبس ؟ قالوا : نعم . فنهى عنه .

هكذا روى هذا الحديث مالك بن أنس لا اختلاف بين رواته فيه ، ولا زيادة لبعضهم فيه على بعض ، إلا بما في حديث الحسن بن غليب من قوله : مولى سعد بن أبي وقاص ، فإنا لم نجد ذلك في حديث غيره .

وأما أسامة بن زيد ; فقد رواه عنه ابن وهب كما ذكرنا في هذا الباب .

وقد رواه الليث بن سعد عنه ، فخالفه في إسناده .

6168 - كما حدثنا المطلب بن شعيب بن حيان الأزدي ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث بن سعد ، حدثني أسامة بن زيد ، وغيره ، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن .

عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن رطب بتمر ، فقال : أينقص الرطب ؟ فقالوا : نعم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا [ ص: 472 ] يباع الرطب باليابس .

فاختلف الليث بن سعد ، وابن وهب على أسامة في إسناد هذا الحديث .

ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن عبد الله بن يزيد غيرهما . ؟

6169 - فوجدنا إسماعيل بن يحيى المزني قد حدثنا قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أمية ، عن عبد الله بن يزيد ، عن أبي عياش الزرقي .

عن سعد : أنه سئل عن رجلين تبايعا سلتا بشعير ، فقال سعد : تبايع رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر ورطب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أينقص الرطب إذا يبس ؟ قالوا : نعم . فنهى عنه .

[ ص: 473 ] هكذا رواه ابن عيينة ، وهذا محال ; لأن أبا عياش الزرقي رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جليل المقدار ، وليس لعبد الله بن يزيد لقاء مثله ، إنما يروي عن أبي سلمة وأمثاله ، وهذا اضطراب شديد ، ولا سيما روى الثوري هذا الحديث عن إسماعيل ، عن عبد الله بن يزيد ، عن رجل لم يسمه ، غير أن أبا حذيفة سماه .

6170 - كما حدثنا فهد قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا سفيان ، عن إسماعيل بن أمية ، عن عبد الله بن يزيد ، مولى عياش [ ص: 474 ] عن سعد بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكره .

وهذا أيضا مما قد زاد في وهائه ، واضطرابه ; لأن عياشا هذا لا نعرفه .

ثم نظرنا هل رواه عن عبد الله بن يزيد غير من ذكرنا ؟

6171 - فوجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا قال : حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن يزيد أن زيدا أبا عياش أخبره . عن سعد بن أبي وقاص : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالرطب نسيئة .

6172 - ووجدنا محمد بن عبدة بن عبد الله المروزي قد حدثنا [ ص: 475 ] قال : حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن يحيى بن أبي كثير قال : أخبرني عبد الله أن أبا عياش أخبره .

أنه سمع سعد بن أبي وقاص يقول : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر نسيئة .

فكان يحيى بن أبي كثير لا يتجاوزه أحد في الجلالة ممن روى هذا الحديث عن عبد الله بن يزيد ، فأثبت أن النهي كان من النبي صلى الله عليه وسلم عما نهى عنه فيه كان على النسيئة ، وفي ذلك ما قد دل على فساد متنه مما تقدم في هذا الباب من فساد أسانيده .

ثم وجدنا هذا الحديث قد روي عن رجل أضيف ولاؤه إلى بني مخزوم ، ولم يسم الذي روى عنه عمران بن أبي أنس ، فالذي رواه عن عمران بن أبي أنس ليس بدون يحيى بن أبي كثير ، وهو ابن الأشج .

6173 - كما حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن [ ص: 476 ] الحارث أن بكير بن عبد الله ابن الأشج ، حدثه عن عمران بن أبي أنس ، حدثه أن مولى لبني مخزوم حدثه .

أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الرجل يسلف من الرجل الرطب بالتمر إلى أجل ، فقال سعد : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا . قال بكير : وهذا ننهى عنه .

فبان بحمد الله ونعمته فساد هذا الحديث في إسناده وفي متنه جميعا ، وأنه لا حجة على من خالفه من أبي حنيفة ومن تابعه على خلافه فيه .

وكان القياس أيضا يوجبه ; لأن السنة قد أجازت بيع الرطب بالرطب مثلا بمثل ، ولم ينظر في ذلك إلى ما يعود إليه بالحقوق من الاستواء ومن الاختلاف ، فدل ذلك أنه كذلك الرطب بالتمر إذا بيعا مثلا بمثل سواء بسواء أن يكونا جائزين ، وأن لا ينظر في ذلك إلى ما يعود إليه الرطب منها بعد الجفوف من النقصان عن التمر المبيع به [ ص: 477 ] وأجازت السنة أيضا بيع التمر بالتمر مثلا بمثل ، والحنطة بالحنطة مثلا بمثل ، والشعير بالشعير مثلا بمثل ، وهي أشياء مما يحيط العلم بتغيرها بعد البيع بالجفوف والنقصان ، فلم ينظر إلى ذلك فيها ، ونظر إلى أحوالها التي تكون عليها يوم يقع البيع عليها لا ما سوى ذلك منها ، مع أن في فساد الأصل الذي تعلق به الذاهبون إلى ذلك القول ما يقطع حجتهم ، ويمنع ما كانوا يحتجون به مما بان عليهم فساده كما ذكرنا مما ذكرنا ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية