الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 140 ] 172 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قطع المسلمين نخل بني النضير وتحريقها ، وفي السبب الذي فيه نزلت : ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها

1108 - حدثنا يزيد بن سنان وإبراهيم بن مرزوق قالا : حدثنا أبو عاصم النبيل ، عن سفيان ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطع نخل بني النضير وحرق .

1109 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني الليث بن سعد ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرق نخل بني النضير وقطع ، وهي البويرة ، ولها يقول حسان بن ثابت :

وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير

[ ص: 141 ] قال الله تعالى : ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين
.

[ ص: 142 ]

1110 - حدثنا يزيد بن سنان قال : حدثنا يحيى بن حماد قال : حدثنا جويرية بن أسماء ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرق نخل بني النضير ، ولها يقول حسان بن ثابت :

وهان على سراة بني لؤي     حريق بالبويرة مستطير

فأجاب أبو سفيان بن الحارث :

أدام الله ذلك من صنيع     وحرق في نواحيها السعير

قال أبو جعفر : فقال قائل : في حديث يونس الذي رويته من هذه الأحاديث ما قد دل أن نزول قوله عز وجل : ما قطعتم من لينة ، الآية - إنما كان ذلك بعد أن كان منهم من القطع والتحريق ما كان ، وهذا يدل على أن هذا الحديث محال ؛ لأن الله عز وجل لا ينزل على رسوله - صلى الله عليه وسلم - شيئا إلا ما يفيد به أمته ، يعني ليستعملوه في فرائضه [ ص: 143 ] عليهم وفي تعبده إياهم .

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أن هذا الحديث لم يستوعب السبب الذي كان فيه نزول هذه الآية ، وأنه قد كان من المسلمين قبل نزولها ما كان من نزولها فيه عليهم أكبر الفائدة ، ولم نجده إلا في حديث يروى عن عبد الله بن عباس .

1111 - كما حدثنا أحمد بن شعيب بن علي قال : حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني ، عن عفان قال : حدثنا حفص بن غياث قال : حدثنا حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قول الله جل وعز : ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها . قال : اللينة النخل وليخزي الفاسقين قال : استنزلوهم من حصونهم ، وأمروا بقطع النخل ، فحك في صدورهم ، فقال المسلمون : قد قطعنا بعضا وتركنا بعضا ، فلنسألن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هل لنا فيما قطعنا من أجر ؟ وما علينا فيما تركنا من وزر ؟ فأنزل الله جل وعز : ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها . الآية .

قال الحسن بن محمد : كان عفان يحدثنا بهذا الحديث عن عبد الواحد ، عن حبيب ثم رجع فحدثنا به عن حفص .

[ ص: 144 ] قال أبو جعفر : فعقلنا بذلك أن هذه الآية أنزلها الله عز وجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليعلم بها المسلمون أن الذي كان من قطعهم لما قطعوا من نخل بني النضير وتحريقها مباح لهم لا إثم عليهم فيه ، وأن الذي تركوه منها فلم يقطعوه ولم يحرقوه مباح لهم لا إثم عليهم فيه ، فبان بذلك موضع الفائدة في نزول هذه الآية .

وقال قائل آخر : قد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيما كان تقدم به إلى أمراء الأجناد لما وجههم إلى الشام ما يدل على خلاف ما في هذه الأحاديث ، عن ابن عمر وابن عباس .

وذكر ما حدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : حدثني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب قال : حدثني سعيد بن المسيب أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما بعث أمراء الجنود نحو الشام : يزيد بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ، وشرحبيل بن حسنة - قال : أوصيكم بتقوى الله عز وجل ، اغزوا في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ؛ فإن الله ناصر دينه ، ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تجبنوا ولا تفسدوا في الأرض ، ولا تغرقن نخلا ولا تحرقنها ، ولا تعقروا بهيمة ولا شجرة تثمر ولا تهدموا بيعة .

[ ص: 145 ] [ ص: 146 ] قال هذا القائل : فأبو بكر رضي الله عنه قد قرأ هذه الآية ، وقد قرأها أمراء الأجناد الذين تقدم إليهم بما تقدم إليهم به في هذا الحديث ، وكان ما تقدم إليهم به من ذلك بحضرة سواهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين قرؤوا هذه الآية أيضا ، وكان في ذلك ما قد دل على أن هذه الآية لم تكن نزلت في المعنى المذكور في حديثي ابن عمر وابن عباس ، أن نزولها كان فيه .

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه أن الذي في ذينك الحديثين من السبب الذي كان فيه نزول هذه الآية كما فيهما ، وأن [ ما ] في حديث أبي بكر رضي الله عنه هذا غير مخالف لذلك ؛ لأنه قد كان على علم من عود الشام إلى أيديهم ، ومن فتحهم لها ، ومن غلبتهم الروم عليها بما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمهم إياه من ذلك .

1112 - حدثنا يونس قال : أخبرنا عبد الله بن وهب أن مالكا حدثه ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير ، عن سفيان بن أبي زهير قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : تفتح اليمن ، فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، وتفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، وتفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون .

[ ص: 147 ]

1113 - وكما حدثنا أبو أمية حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير ، عن سفيان بن أبي زهير ثم ذكر هذا الحديث .

غير أنه قال : ثم تفتح العراق ، وزاد : قال عبد الله بن الزبير : ثم بلغني أن سفيان بالموسم ، فأتيته فسألته عن هذا الحديث ، فقال : أشهد لسمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم أعاده عنه كما حدثني .

1114 - وكما حدثنا محمد بن سنان الشيزري قال : حدثنا هشام بن عمار قال : حدثنا يحيى بن حمزة قال : حدثنا نصر بن علقمة ، عن جبير بن نفير ، عن عبد الله بن حوالة قال : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فشكونا إليه الفقر والعري وقلة الشيء ، فقال : أبشروا ! فوالله لأنا وكثرة الشيء أخوف عليكم من قلته ، والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى تفتح لكم أرض فارس والروم وأرض حمير ، وحتى تكونوا أجنادا ثلاثة : جند بالشام ، وجند بالعراق ، وجند باليمن . وحتى يعطى الرجل المائة الدينار فيسخطها .

قال ابن حوالة : فقلت : يا رسول الله ، من يستطيع الشام وبها الروم ذوات القرون ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : والله ليستخلفنكم الله فيها حتى تظل العصابة منهم البيض قمصهم المحلقة أقفاؤهم [ ص: 148 ] قياما على الرجل الأسود منكم المحلوق ، وإن بها اليوم رجالا لأنتم أحقر في أعينهم من القردان في أعجاز الإبل .

قال ابن حوالة : فقلت : يا رسول الله ، خر لي إن أدركني ذلك ! قال : أختار لك الشام ؛ فإنها صفوة الله من بلاده ، والله يجتبي صفوته من عباده بأهل الإسلام . فعليكم بالشام ؛ فإن صفوة الله من الأرض الشام . فمن أبى فيسقي بغدر اليمن ؛ فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله
.

فسمعت عبد الرحمن بن جبير يقول : فعرف أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - نعت هذا الحديث في جزء بن سهيل السلمي وكان ولي الأعاجم ، وكان أويدما قصيرا ، فكانوا يمرون وتلك الأعاجم قيام لا يأمرهم بالشيء إلا فعلوه ؛ يتعجبون من هذا الحديث .

[ ص: 149 ] قال أبو جعفر : فكان أمر أبي بكر رضي الله عنه أمراء الأجناد بما أمرهم به في حديثه الذي رويناه لهذا المعنى الذي في هذه الأحاديث ، ولما قد حضهم عليه من الصلاة بإيلياء ، ومن شد المطايا إليها مما تقدم ذكرنا له في كتابنا هذا ، ولما قد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - من قوله : ومنعت الشام مديها ودينارها ، أي أنها ستمنع مديها ودينارها الواجبين في أرضها وذلك لا يكون إلا بعد افتتاحهم إياها وغلبتهم عليها .

وسنذكر هذا الحديث فيما بعد من كتابنا هذا إن شاء الله ، والله نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية