الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 415 ] 467 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيام العشر الأول من ذي الحجة مما يدل على تركه كان إياه وعلى حض منه عليه .

2969 - حدثنا أبو القاسم هشام بن محمد بن قرة بن أبي خليفة الرعيني ، قال : حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي ، قال :

حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ( ح ) ، وحدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا أحمد بن إشكيب الكوفي ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، ثم اجتمعا فقالا : عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط .

[ ص: 416 ] فقال قائل : كيف تقبلون هذا ، وأنتم تروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل العمل في هذه الأيام ما تروونه عنه فيه .

2970 - فذكر ما قد حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : حدثنا أصبغ بن زيد الوراق ، قال : حدثنا القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير أنه كان يحدث عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما من عمل أزكى عند الله عز وجل ، ولا أعظم منزلة من خير عمل في العشر من الأضحى ، قيل : يا رسول الله ، ولا من جاهد في سبيل الله بنفسه وماله ، قال : ولا من جاهد في سبيل الله بنفسه وماله إلا من لم يرجع بنفسه وماله .

[ ص: 417 ]

2971 - وما قد حدثنا محمد بن سليمان الأزدي الباغندي ، قال : حدثنا أبو غسان ، قال : حدثنا مسعود بن سعد ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من أيام أفضل عند الله تعالى ولا أحب إليه فيهن العمل من هذه الأيام أيام العشر ، فأكثروا فيهن من التحميد والتهليل والتكبير .

2972 - وما قد حدثنا محمد بن سليمان أيضا ، قال : حدثنا أبو غسان ، قال : حدثنا زهير بن معاوية ، قال : حدثنا إبراهيم بن مهاجر ، عن عبد الله بن باباه ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت الأعمال ، فقال : ما من أيام أفضل فيهن العمل من هذه العشر ، قالوا : يا رسول الله ، ولا الجهاد ؟ فأكبره ، وقال : ولا الجهاد ، إلا أن يخرج الرجل بنفسه وماله في سبيل الله ، ثم تكون مهجة نفسه فيه .

[ ص: 418 ]

2973 - وما قد حدثنا محمد أيضا ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا مرزوق ، يعني : ابن مردانة ، قال : حدثنا أبو الزبير ، عن جابر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من أيام أفضل عند الله من أيام العشر ، قالوا : ولا مثلها في سبيل الله ؟ قال : إلا من عفر وجهه في التراب .

قال : فكيف أن يكون للعمل في هذه الأيام من الفضل ما قد ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، ثم يتخلف عن الصوم فيها ، وهو من أفضل الأعمال ؟ .

فكان جوابنا له في ذلك : بتوفيق الله عز وجل ، أنه قد يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم فيها على ما قالت عائشة رضي الله عنها ؛ [ ص: 419 ] لأنه كان إذا صام ضعف عن أن يعمل فيها ما هو أعظم منزلة من الصوم ، وأفضل منه من الصلاة ، ومن ذكر الله عز وجل وقراءة القرآن ، كما قد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في ذلك مما كان يختاره لنفسه .

كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا روح بن عبادة ، ووهب بن جرير قالا : أخبرنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد أن عبد الله كان لا يكاد يصوم ، فإذا صام ، صام ثلاثة أيام من كل شهر ، ويقول : إني إذا صمت ضعفت عن الصلاة ، والصلاة أحب إلي من الصوم .

فيكون ما قد ذكرته عائشة رضي الله عنها عنه صلى الله عليه وسلم من تركه الصوم في تلك الأيام ليتشاغل فيها بما هو أفضل منه ، وإن كان الصوم فيها له من الفضل ما له مما قد ذكر في هذه الآثار التي قد ذكرناها فيه ، وليس ذلك بمانع أحدا من الميل إلى الصوم فيها لا سيما من قدر على جمع الصوم مع غيره من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله عز وجل سواه ، والله نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية