الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة جزء
            [ ص: 299 ] ص - وهو عقلي كالحياة للعلم ، وشرعي كالطهارة ، ولغوي ، مثل أنت طالق إن دخلت ( الدار ) وهو في السببية أغلب وإنما استعمل في الشرط الذي لم يبق للمسبب سواه . فلذلك يخرج به ما لولاه لدخل لغة .

            مثل أكرم بني تميم إن دخلوا ، فيقصره الشرط على الداخلين .

            التالي السابق


            ش - الشرط ينقسم إلى عقلي وشرعي ولغوي ; لأنه إما أن يحكم العقل بشرطيته ، أو لا ، والأول : هو الشرط العقلي ، كالحياة للعلم ; فإن العقل يحكم بانتفاء العلم عند انتفاء الحياة ، ولا يحكم بوجود العلم عند وجود الحياة .

            والثاني إما أن يكون الشرع قد حكم بشرطيته أو لا ، والأول : هو الشرط الشرعي ، كالطهارة للصلاة .

            والثاني : اللغوي ؛ مثل : إن دخلت الدار فأنت طالق ; فإن دخول الدار ليس شرطا لوقوع الطلاق شرعا ، ولا عقلا ، بل من الشرط التي وضعها أهل اللغة .

            وصيغة الشرط اللغوي : ( إن ) المخففة ، و ( إذا ) و ( من ) و ( ما ) [ ص: 300 ] و ( مهما ) و ( حيثما ) و ( إذ ما ) و ( أينما ) .

            والشرط اللغوي أغلب استعماله في السببية العقلية ، نحو : إذا طلعت الشمس فالعالم مضيء .

            والشرعية نحو : ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) .

            فإن طلوع الشمس سبب لضوء العالم عقلا ، والجنابة سبب لوجود التطهير شرعا .

            وإنما استعمل الشرط اللغوي في الشرط الذي لم يبق للمسبب شرط آخر سواه ، أي يستعمل في الشرط الأخير نحو : إن تأتني أكرمك . فإن الإتيان شرط لم يبق للإكرام سواه ; لأنه إذا أدخل الشرط اللغوي عليه علم أن أسباب الإكرام حاصلة ، ولكن توقف على حصول الإتيان .

            قوله : " ولذلك " أي ولأجل أن الشرط مخصص يخرج به ، أي بالشرط من الكلام ما لولاه ، أي الشرط - لدخل فيه لغة ، وذلك نحو : أكرم بني تميم إن دخلوا الدار ؛ فإن الشرط يقصر الإكرام على الداخلين من بني تميم ، ويخرج منه غير الداخلين ، ولولا الشرط لعم الإكرام .

            وقيد بقوله : " لغة " ليدخل فيه قولنا : أكرم بني تميم أبدا إن قدرت ; لأن حالة عدم القدرة معلومة الخروج بدليل العقل من غير الشرط ، لكن خروجها عنه عقلا ، لا ينافي دخولها فيه لغة ، فيصدق في مثل هذه الصورة : لولا الشرط لدخل فيه لغة .

            [ ص: 301 ] قيل : قوله : " لذلك " أي فلأجل أن الشرط : ما يستلزم نفيه نفي أمر على غير جهة السببية ، يخرج به لولاه لدخل فيه لغة .

            وهو غير بعيد عن الصواب ; لأنه لولا شرط الدخول لعم الإكرام . لكن لما تحقق شرط الدخول خرج غير الداخلين من المأمورين بإكرامهم .

            ومن الشارحين من حمل قوله : " وإنما استعمل على أن الشرط اللغوي يستعمل فيما ليس بسبب في الواقع ، ولكن بشرط أن يحصل السبب عند حصوله لوجود ما يتوقف عليه سوى الشرط المذكور ، نحو : إن تأتيني أكرمك . فإن الإتيان ليس سبب الإكرام لا شرعا ولا عقلا ، ولكن دخل عليه الشرط اللغوي فعلم أن الأسباب الموجبة للإكرام حاصلة ، لكن توقف على حصول الإتيان .

            ثم قال : قوله : ولذلك يخرج ما لولاه لدخل " أي لأن المدخول عليه أداة الشرط مما ليس بسبب ، بل هو شرط لم يبق للمسبب سواه ، خرج ما لولاه - لدخل لوجود الأسباب الموجبة ، فإنه لو قيل : أكرم بني تميم واقتصر عليه - لكان غير الداخل أيضا مأمورا بإكرامه .

            قوله : " لدخل لغة " أي الوضع اللغوي اقتضى الدخول .

            وإن كان ثم ممانع كان من خارج اللغة .

            [ ص: 302 ] هذا ما قاله .

            وهذا أيضا ليس ببعيد .




            الخدمات العلمية